محمود جودت محمود قبها يكتب :قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين قراءة سياسية قانونية في تشريع يُهدّد منظومة العدالة الدولية

في خضم التحولات السياسية المتسارعة يبرز ما يُعرف بـ”قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين” بوصفه أحد أخطر المقترحات التشريعية التي تمسّ جوهر حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي لا يقتصر خطر هذا القانون على كونه أداة عقابية قصوى بل يتعدّى ذلك ليُشكّل سابقة قانونية تُعيد تعريف العلاقة بين سلطة الاحتلال والسكان الواقعين تحت سيطرتها وفق منطق القوة لا العدالة ومن هنا فإن مقاربته تستوجب تحليلًا سياسيًا قانونيًا معمّقًا يكشف أبعاده الحقيقية وتداعياته بعيدة المدى.
في سياق الصراع الممتد تبرز بين الحين والآخر سياسات وتشريعات تُحاول إعادة صياغة أدوات السيطرة والقمع بصيغ قانونية بما يمنحها غطاءً شكليًا أمام الرأي العام الدولي ومن أخطر هذه المحاولات ما يُعرف بـ”قانون إعدام الأسرى” الذي يُشكّل تحوّلًا نوعيًا في بنية التعامل مع الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال وينقل العقوبة من إطار السلب والحرمان إلى حدّ الإنهاء الجسدي للحياة إن هذا القانون إن تمّ إقراره أو تطبيقه لا يُمكن النظر إليه بمعزل عن سياقٍ أوسع من السياسات العقابية الجماعية بل هو امتداد لها وذروة من ذُراها
ما يُسمّى بـ”قانون إعدام الأسرى” هو مقترح تشريعي يهدف إلى فرض عقوبة الإعدام على أسرى فلسطينيين في حالات محددة غالبًا تحت ذرائع أمنية أو ردعية ويأتي هذا الطرح في ظل تصاعد الخطاب اليميني المتطرف داخل مؤسسات الحكم والذي يسعى إلى تشديد الإجراءات العقابية ضد الفلسطينيين وفرض واقع أكثر قسوة داخل السجون هذا القانون لا ينشأ في فراغ بل يُمثّل انعكاسًا لبيئة سياسية مشحونة حيث يتم توظيف القوانين كأدوات في الصراع، وليس كوسائل لتحقيق العدالة كما يُعبّر عن محاولة لإرضاء قواعد شعبية داخلية عبر استعراض القوة، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم القانونية والإنسانية.
يأتي طرح قانون إعدام الأسرى في سياق تصاعد الخطاب السياسي المتشدد الذي يسعى إلى تشديد القبضة الأمنية وتوسيع أدوات الردع ويعكس هذا التوجه تحوّلًا في أولويات بعض مراكز القرار حيث يتم توظيف التشريع كوسيلة لإدارة الصراع لا كأداة لتنظيمه وفق قواعد العدالة كما يُمكن فهم هذا القانون ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إحداث تغيير في قواعد الاشتباك عبر نقل الصراع إلى مستويات أكثر حدّة وإرسال رسائل سياسية داخلية وخارجية تُظهر الحزم حتى وإن كان ذلك على حساب الالتزامات القانونية الدولية.
الطبيعة القانونية للأسرى في ظل الاحتلال يُثير هذا القانون إشكالية قانونية جوهرية تتعلق بوضعية الأسرى الفلسطينيين فبحسب قواعد القانون الدولي الإنساني لا سيما اتفاقيات جنيف يُفترض أن يتمتع الأسرى بحقوق محددة تشمل الحماية من المعاملة القاسية والحق في محاكمة عادلة وعدم التعرض لعقوبات تعسفية وفي حالات الاحتلال لا تملك السلطة القائمة بالاحتلال سيادة مطلقة تُمكّنها من فرض تشريعات عقابية قصوى دون مراعاة القيود التي يفرضها القانون الدولي بل إن أي إجراء عقابي يجب أن يكون متناسبًا ومبنيًا على ضمانات قانونية صارمة وهو ما يفتقر إليه هذا القانون في جوهره.
يتعارض قانون إعدام الأسرى مع عدد من المبادئ الأساسية في القانون الدولي أبرزها :-
•الحق في الحياة: وهو حق أصيل ومكفول في العديد من الاتفاقيات الدولية ولا يجوز المساس به إلا في أضيق الحدود وضمن شروط صارمة.
•حظر العقوبات القاسية واللاإنسانية: حيث يُنظر إلى الإعدام في سياقات سياسية أو تحت الاحتلال باعتباره إجراءً يتنافى مع الكرامة الإنسانية.
•ضمانات المحاكمة العادلة: والتي تشمل استقلال القضاء وحق الدفاع وغياب الضغوط السياسية وهي شروط يصعب تحققها في بيئة نزاع كما أن الاتجاه العالمي يسير نحو تقليص استخدام عقوبة الإعدام أو إلغائها مما يجعل هذا القانون خروجًا عن المسار الدولي العام.
من أخطر ما ينطوي عليه هذا القانون هو تسييس منظومة العدالة بحيث تتحوّل المحاكم من هيئات مستقلة إلى أدوات ضمن منظومة الصراع ففي مثل هذه الحالات يُصبح الحكم القضائي انعكاسًا لإرادة سياسية لا نتيجة لإجراءات قانونية محايدة هذا التسييس يُقوّض ثقة الأفراد في النظام القانوني ويُضعف من شرعية الأحكام الصادرة كما يفتح الباب أمام استخدام القضاء كوسيلة للانتقام بدلًا من تحقيق العدالة يُعد هذا القانون انتهاكًا صارخًا لمجموعة من القواعد الأساسية في القانون الدولي الإنساني وعلى رأسها اتفاقيات جنيف التي تُنظّم معاملة الأسرى وتضمن لهم حقوقًا أساسية بما في ذلك الحق في الحياة والمحاكمة العادلة.
كما أن فرض عقوبة الإعدام في سياق احتلال يُثير إشكاليات قانونية عميقة إذ لا يُمكن لسلطة احتلال أن تُمارس سيادتها القضائية بشكل مطلق على السكان الواقعين تحت الاحتلال خصوصًا في قضايا ذات طابع سياسي ويُضاف إلى ذلك أن الاتجاه العالمي يسير نحو إلغاء عقوبة الإعدام أو الحدّ منها مما يجعل هذا القانون خطوةً إلى الوراء في مسار تطوّر القانون الدولي.
لا يمكن إغفال الأثر السياسي والأمني لتطبيق مثل هذا القانون فمن المرجّح أن يؤدي إلى تصعيد التوتر وزيادة الاحتقان في الأراضي الفلسطينية تعزيز رمزية الأسرى بوصفهم ضحايا لسياسات قمعية مما قد يُسهم في توسيع دائرة التضامن معهم إضعاف فرص التهدئة أو التوصل إلى حلول سياسية نتيجة تعميق فجوة الثقة كما أن هذه الخطوة قد تُعرّض الجهة التي تُطبّق القانون لضغوط دولية متزايدة وربما لإجراءات قانونية في المحافل الدولية.
يُثير هذا القانون تساؤلات حول المسؤولية القانونية الدولية سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات ففي حال تنفيذ أحكام إعدام في سياق يخالف القانون الدولي قد يُعتبر ذلك انتهاكًا جسيمًا يُرتّب مسؤوليات قانونية ويُفتح المجال أمام الملاحقة في بعض الأطر القضائية الدولية كما أن الدول التي تلتزم بالصمت أو تُقدّم دعمًا غير مباشر قد تجد نفسها أمام مساءلة أخلاقية وقانونية خاصة في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بقضايا حقوق الإنسان رغم وضوح الانتهاكات التي ينطوي عليها هذا القانون فإن الموقف الدولي غالبًا ما يتسم بالتردد أو الاكتفاء بالإدانة اللفظية وهذا يطرح تساؤلات حول فاعلية النظام الدولي في حماية حقوق الإنسان خاصة في حالات الصراع إن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق المؤسسات الحقوقية بل أيضًا على الدول التي تدّعي الدفاع عن القيم الإنسانية فالصمت أو التواطؤ يُشجّع على المضي قدمًا في مثل هذه السياسات ويُضعف من مصداقية الخطاب الحقوقي العالمي.
إن تطبيق مثل هذا القانون سيكون له تداعيات خطيرة على الواقع الفلسطيني ليس فقط على مستوى الأسرى بل على مجمل الحالة الوطنية فمن جهة سيُؤدي إلى تصعيد التوتر وزيادة الاحتقان وقد يُسهم في تفجير موجات جديدة من العنف ومن جهة أخرى سيُعزّز من مكانة الأسرى في الوعي الجمعي بوصفهم رموزًا للتضحية والصمود مما قد يُنتج حالة من الالتفاف الشعبي حولهم ويُعيد تسليط الضوء على قضيتهم في المحافل الدولية.
لا يمكن فصل هذا القانون عن أهداف سياسية أوسع تتجاوز البُعد العقابي المباشر فهو يُستخدم كأداة للردع ومحاولة لكسر إرادة الدفاع عن فلسطين عبر إيصال رسالة مفادها أن الثمن سيكون أقصى ما يمكن كما يُمكن تفسيره كجزء من سياسة تصعيدية تهدف إلى تغيير قواعد اللعبة وفرض وقائع جديدة على الأرض سواء داخل السجون أو خارجها وفي هذا السياق يُصبح القانون وسيلة لإعادة تشكيل العلاقة بين السلطة المحتلة والشعب الواقع تحت الاحتلال عبر تكريس منطق القوة بدلًا من القانون.
بعيدًا عن النصوص القانونية فإن هذا القانون يطرح أسئلة أخلاقية جوهرية هل يمكن تبرير إنهاء حياة إنسان تحت أي ذريعة؟ وهل يمكن تحويل السجن من وسيلة إصلاح أو ردع إلى أداة قتل؟الأسرى الفلسطينيون مهما اختلفت التوصيفات هم بشر لهم حقوق لا يجوز انتهاكها إن تجريدهم من الحق في الحياة يُشكّل انتهاكًا لجوهر الكرامة الإنسانية ويُحوّل القانون إلى أداة انتقام لا وسيلة عدالة كما أن هذا القانون يُعمّق من معاناة عائلات الأسرى ويُضيف بُعدًا جديدًا من الألم حيث يتحوّل القلق من السجن إلى خوف دائم من فقدان الحياة وهذا ما يُفاقم الأثر النفسي والاجتماعي على المجتمع الفلسطيني بأسره.
سبل المواجهة القانونية والسياسية في مواجهة هذا التحدي تبرز عدة مسارات ممكنة التحرّك القانوني الدولي عبر المؤسسات والمحاكم المختصة تفعيل الدبلوماسية لحشد مواقف دولية رافضة لهذا القانون تعزيز العمل الحقوقي لتوثيق الانتهاكات وكشفها أمام الرأي العام توحيد الموقف الوطني بما يُعزّز من القدرة على مواجهة السياسات التصعيدية.
لطالما شكّل الأسرى الفلسطينيون رمزًا حيًا للنضال وعنوانًا للثبات في وجه القمع وأي محاولة لاستهدافهم سواء عبر الإعدام أو غيره لن تُنهي هذا الدور بل قد تُعزّزه إن تحويل الأسرى إلى شهداء عبر قوانين الإعدام لن يُضعف القضية بل سيُضيف إليها بُعدًا جديدًا من التضحية ويُرسّخ حضورها في الوجدان الوطني في مواجهة هذا التحدي تبرز أهمية توحيد الجهود الفلسطينية سواء على المستوى السياسي أو القانوني أو الشعبي إذ يتطلب الأمر تحرّكًا فاعلًا في المحافل الدولية وتفعيل الأدوات القانونية لملاحقة هذه السياسات كما أن تعزيز الوعي الشعبي ودعم الأسرى وعائلاتهم يُشكّل جزءًا أساسيًا من المواجهة بما يُسهم في الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، ويُعزّز من صمودها.
إن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يُمثّل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام المجتمع الدولي بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان فهو ليس مجرد نص قانوني بل هو تعبير عن توجه سياسي يسعى إلى إعادة تشكيل قواعد الصراع وفق منطق القوة وفي ظل هذه التحديات يبقى الرهان على الوعي القانوني والتحرّك السياسي المسؤول والتمسّك بالحقوق المشروعة بوصفها أدوات أساسية في مواجهة أي محاولة لتقويض الكرامة الإنسانية تحت غطاء القانون.