
لماذا يتمسك الانسان بالاوهام والمعاني الفارغة والانحيازات المسبقة حتى لو تأكد له زيفها ولا جدواها؟ كنا نعتقد الى وقت قريب انه خطأ في التفكير يمكن إصلاحه لكنه ظهر أعمق وأعقد من ذلك بكثير.
التمسك بالأوهام والقناعات الفارغة هو سلم طوارئ لمن يريد الهروب من عمارة محترقة أو قارب نجاة من سفينة غارقة.
العقل البشري يصاب بالرعب والقلق والخوف من الفراغ وأوهام وقناعات مزيفة أفضل من لحظة فراغ.
الفراغ موحش ومخيف والقناعات والأوهام والمعاني التافهة هي روابط وهويات وعلامات تجمعنا بالآخرين لذلك نجد كل شريحة تنجذب الى من يشبهها كالعلماء والمثقفين والحشاشين والنصابين وغيرهم وكل شريحة من هؤلاء لا تقبل في صفوفها من لا يحمل صفاتها وشفراتها وهويتها.
ليست الحقيقة مهمة بالنسبة لهؤلاء بل الانتماء الى جماعة وحمل هويتها ومن الصعب جدا ان يعيش هؤلاء في عزلة أو وحدة أو فراغ لأن وحوشهم الداخلية تهاجمهم وحتى لو اكتشفوا حقائق صادمة مغايرة فلن يتغيروا لأن القصة لم تعد ارادة ورغبة في التغيير بل مسارات عصبية حفرت في العقل منذ سنوات وتحولت الى نسيج عضوي بنيوي كما ان الشعور بالندم على ما فات من أوهام أقسى من التمسك بالأوهام المنقذة من الفراغ.
الأوهام تصبح طقوساً عقلانية عندما تمارسها جماعة ـــــــــــــــــ وعندما يمارسها فرد تصبح جنوناً ــــــــــــ لأنها مختصرة ومفسرة ومبسطة بلا تعقيدات البحث عن حياة حقيقية في حين الاقفاص والقوالب منقذة من عناء التفكير.
هذه الاوهام تمنح شعورا زائفا بالسيطرة والفهم بعيداً عن مشقة التفكير والبحث والسؤال الذي يعيد ترتيب الساعة الداخلية من جديد ويحفر مسارات عصبية جديدة بينما كانت الطرق واضحة من قبل في الأوهام.
قال إبن عربي” لو كانت الطرق واضحة، ما حاجتنا الى الحكمة؟”. الحكمة تولد في الغموض والالتباس وغياب اليقين والبحث في السراب عن طريق. قناعة خاطئة أفضل من فراغ موحش وضجيج الأسئلة.
في الفلسفة مفهوم” الرعب من الفراغ” لأن الانسان يعرّف نفسه من خلال الأفكار والعلاقات والهوية والانتماء وفي الفراغ يشعر انه سقط في هاوية بلا قاع .
ليس هناك أكثر قسوة من الصمت على شخص غارق في الأوهام ويعاني من فراغ داخلي لأن الصمت بيئة مناسبة لخروج ثعابين الأسئلة وصوت الضمير وضجيج الأسئلة المصيرية. لكن الصمت والعزلة والوحدة ملهمة لشخص يعيش في انسجام وصفاء داخلي وبذات حقيقية طبيعية وليست مزورة.
الصمت الذي اعتبره الروائي كازنتزاكي” ينبوع الالهام” لكنه للشخص الغارق في الأوهام المعقلنة هو عدم أو موت. الانسان الفارغ الغارق بالاوهام عندما يفقد كل رابطة وهوية مع الجماعة يعاني من ما يعانيه المدمن من أعراض الانسحاب من المواد المدمنة. حضور الجماعة والمدح والاطراء حتى لو كان كاذباً هو جرعة مهدئة ولو مؤقتة.
إنه أمام هاوية نيتشه” “إذا أطلت النظر في الهاوية، فإن الهاوية ستنظر إليك أيضاً” وبدل ” التحديق في الفراغ أو الهاوية” الهروب الى الضجيج والى الحشد للضياع والبحث عن مرايا أو علاقات مزيفة تعكس صورة مضخمة عن الذات بدل الحقيقة المخفية.
الأوهام والأفكار والقناعات الزائفة المستمرة لسنوات لم تعد مجرد أوهام عادية يمكن بالارادة التخلص منها بل صارت بنية بيولوجية عندما تأخذ الأفكار والتخيلات والأوهام مسارات عصبية وترتبط مع غيرها بالاشارات الكهربائية ومع الزمن والتكرار تتحول الى خلايا مغلفة بمادة دهنية ــــــــــــ الميالين Myelinــــــــــــ كما نغلف أسلاك الكهرباء بعازل. أي نحن أمام ممرات بملايين الكيلومترات في العقل. فمن عنده قدرة العودة الى البداية وبناء دروب جديدة على ضوء حقائق جديدة؟ هناك من هو قادر لكن هذه فئة خاصة من البشر.
تتحول الاوهام والقناعات الخاطئة في هذه الحالة مع التكرار والزمن الى حالة عضوية كطريق واضح يفسر كل شيء لأنه يختصر ويبسط الأشياء وعلامات المرور فيه واضحة بدل الدروب الوعرة الغامضة.
في حين التغيير يعني البحث عن طريق جديد وبناء مسارات جديدة مرهقة وهذه المسارات لا تحدث بسهولة بل تحتاج الى ثقافة ومعايير بديلة ورغبة عميقة في التغيير وتغيير مسارات كيمياوية وتلك مهمة شاقة.
في العامية العراقية تعبير دقيق للغاية يعكس حكمة البسطاء عن هذا الصنف من البشر ـــــــ الأصنام الذين يفتقرون للمرونة والتعلم والتغيير والجلافة ويتمسكون بقناعات بلا فحص ولا سؤال ولا شك بوصف” المخ اليابس” ويمنحون هذا المخ المعطوب صفات الثبات على المبادئ والافكار والقناعات التي تحولت الى مسارات وخلايا عصبية ولم يعودا أحرارا في تغييرها.
الأوهام المزمنة والقناعات الفارغة تتحول الى قارب نجاة عند الغرق لأنها تعمل بصورة آلية وتقدم التفسيرات المبسطة الجاهزة لأنها خارطة طريق في العقل وإن تحدي هذه الأوهام يضع الانسان في مواجهة فراغ أو عدم أو وحوشه الداخلية.
في المعتقدات الشعبية العراقية يقال عن الشخص الذي يعاني من مشكلة نفسية وعصبية انه “مربوط أو ملزوم” من الجن ويؤخذ الى ضريح لفك أسره.
أي تحويل العطب الداخلي الى سبب خارجي والحل في ضريح وقد يحدث الشفاء فعلاً لقدرة الايحاء على فك روابط عضوية ويتحول الايمان بقدرة الضريح على الشفاء كمفتاح لفك العقدة.
المكان المقدس والأصوات والتراتيل والعطور والبخور تحفز على افراز كمية من مواد كيمياوية داخلية تطلقه من الأسر.
فكرة الجن الماسك بالعقل والرغبة ـــــــــــــ حتى بالنسبة للذين يفشلون في ليلة الزفاف الأولى ـــــــــــــــ منقذة لأنها تحول الانهيار الداخلي الى معضلة خارجية وبهذه الطريقة تزاح المسؤولية على سبب خارج السيطرة لحماية الأنا من مشاعر الفشل.
هذا المعنى الجديد الفارغ يعمل كإعادة ضبط للعقل وتتحول العملية كلها العميقة الجذور الى ثنائية مبسطة: جن في مواجهة الضريح. أي اخراج الشخص من المسؤولية كمتفرج.
كان الطبيب النفساني العراقي اليهودي جاك عبود ـــــــــــــــ 1908-1981 مؤسس اول مشفى للأمراض العقلية الذي عشقه المجانين ـــــــــــــ يرسل بعض مرضاه الى الأضرحة ــــــــــــــ عيادته في الحيدر خانة في بغداد ـــــــــ وتلك عبقرية هذا الطبيب ولم يكن الناس يفهمون الأساس العلمي لسلوك الطبيب الذي كان يعالج المريض بالصدمة النفسية الوهمية نفسها وباللغة نفسها .
جاك عبود استخدم لغة المريض ليدخل إلى نظامه العصبي؛ فبدلاً من محاربة المعتقد وهو ما سيولد مقاومة عصبية، قام باستثماره لتحقيق الشفاء وتتولد قناعة لدى المريض أن العلم والدين اتفقا على الحل ويؤدي الى تفريغ انفعالي الذي يظهر على شكل انفعالات وتشنجات تعزز فيه القناعة أن الجن في مأزق وصراع الطرد ـــــــــــ وليس هو ـــــــــ وهذه اشارات على فك أسره من العجز والفشل.
الانسان ليس كائنا بيولوجياً بل هو مخلوق ثقافي وجاك عبود فهم بعمق هذه الحقيقة التي يجد غالبية الناس صعوبة في فهمها مع انها حقيقة لكنها قد تكون ثقيلة ومزعجة ومقلقة والانسان يحب منطقة الراحة الزائفة.
ــــــــــــــ في بغداد اليوم شارع يحمل إسم” شارع جاك عبود” تكريماً له.