كتاب وشعراء

مرثيّة الأرض….بقلم حسين الغزي

مرثيّة الأرض
(على هذه الأرضِ ما يستحقُّ الحياةْ…)
هكذا قلتَ،
وكان في قولِكَ قمحٌ،
وزيتونٌ،
وأمٌّ تُخبّئُ في صدرها خبزَ النهارِ للغائبين…
لكن
عذرًا يا درويش،
فقد باعوا الأرضْ،
واشتروا بثمنِها الحياةْ!
باعوها
كأنها ظلٌّ ثقيل،
كأنها عبءٌ على أكتافِ خيانتهم،
كأنها ليست دمًا في العروق،
ولا ذاكرةً في التراب…
وتركوا أصحابَها في الأرضِ مشرّدين،
يعدّون خيامَ الريح،
ويقتسمون البردَ
والحنينَ اليابسَ في الحناجر…
ومضوا
إلى الحاناتِ يسكرون،
يرفعون كؤوسَ النسيان،
ويضحكون…
كأنّ الضحكَ لا يخجلُ من الجثث!
عذرًا يا درويش،
ما عاد للخبزِ طعمٌ ولا رائحة،
فرائحةُ الدمِ
تملأُ المكان…
حتى الرغيفُ
صار يشبهُ كفًّا مبتورة،
والملحُ صار دمعةً
لا تجد خدًّا لتسقطَ عليه…
أيدينا مقيّدة،
لا لأنّ الحديدَ أقوى،
بل لأنّ الخوفَ أطولُ عمرًا من الشجاعةِ في صدورهم…
وأفواهُنا مكمّمة،
لا لأنّ الصوتَ ضعيف،
بل لأنّ الحقيقةَ تُرعبُ
من اعتادوا البيعَ في سوقِ الخنوع…
ويتراقصُ على الجثثِ الزعماء،
يرتّبون أناشيدَ النصرِ فوق الهزائم،
ويعلّقون أوسمتَهم
على صدورِ الموتى…
فعذرًا… عذرًا يا درويش،
إنّهم لا يسمعونكَ،
ولا يقرؤون القصائد،
إلا إذا كُتبتْ بحبرِ المصالح!
هم يبحثون في سهراتهم عن الندماء،
لا عن الوطن،
عن كؤوسٍ أخرى،
لا عن قبورٍ بلا أسماء…
يسألون:
من يملأ الليلَ ضحكًا؟
ولا يسألون:
من يملأ الأرضَ دمًا؟
أيّها المتخاذلون
أيّها الواقفون على حوافّ الكرامة
كأنها هاوية
أما شبعتم من بيعِ الريح؟
أما تعبتم من تقبيلِ الأيادي التي صفعتكم؟!
الأرضُ لا تُسامح،
والتاريخُ لا ينام،
والأمهاتُ
حين يبكين،
يكتبنَ أسماءكم
في دفاتر اللعنة…
قولوا
بأيّ وجهٍ ستعودون؟
وبأيّ قلبٍ ستزرعون؟
وقد تركتم الحقولَ
نهبًا للرماد؟!
عذرًا يا درويش…
لقد صارت القصيدةُ جرحًا،
وصار الوطنُ سؤالًا
لا يجرؤ أحدٌ على الإجابةِ عنه…
وعلى هذه الأرض
لم يعد ما يستحقُّ الحياة،
إلا الذين
لم يبيعوها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى