
قصة قصيرة
لم أكن أنوي زيارة الميدان، ولا التجول في أنحاءه، تفقد أرصفته، نوافذ بناياته، ولا دكاكينه المختبئة.
“لماذا تطوف، وتعذب نفسك؟”.
تحيرت، وأنا أقترب من مقهى كنا نرتاده.
آآآه.. من دخان يفور ويضبب الاشياء.
ماأن ولجت، حتى استقبلني النادل بترحاب:
“أمازلت تتذكرني؟، فيك الخير والله”.
– كالعهد الفائت؟.
– كالعهد الفائت.
وأومأت برأسي..
نفس المكان، نفس الطاولة، لكن أين صحبة الماضي؟.
” إن أعادوا لك المقاهي القديمة،
من يعيد لك الرفاق؟”.
طفرت دمعات من عيني، واريتها بكمّ قميصي في خجل.
” لماذا كلما نقرت هاتف أحدهم لايرد. كلما زرته في بيته، لا تجده!”.
“لماذا تنهزم وحيداً بلا شريك، ترتاد أماكن مهجورة، تبكي بحرقة في جوف ليل لاينجلي.. تتدارى من أعين أناس… تموت داخلك ألاف المرات، لا أحدٌ يرثيك،
أو يرثي لحالك”.
– فؤاد، أخّر الطلبات حتى نكتمل.
قلتها للنادل، فانصرف مطرقاً.
هلّوا في موكب صاخب كعادتهم، تعانقنا محدثين جلبة وضوضاء، أزعجت من حولنا.
“نزل الطلبات بسرعة”.
– ماأخباركم؟.
– بخير، ماذا حدث للميدان؟.
– بل ماذا حدث للبلد؟.
قلت وأنا أزفر في ضيق:
– لاشيء، نحيا وكفى.
– لماذا دوما وحدك، أين زوجتك؟.
– هجرتني…
– مع الأولاد!.
– مع الأولاد.
– وعملك الصحفي.
– رفدوني.
– أُهدرت دماؤنا هباءً.
– لاتهتم..
– لاأحد يتذكرنا سواك.
يطوق الجميع سحابات دخان خانقة، الميدان يعج بالعربات والناس، يتحركون كالدمى ويصطدمون.
– ما أخبار الأهل؟.
– الكل داهمته الحياة، وألبسته ثياب اللامبالاة.
حدقت حولي في لامبالاة.
– لماذا تأتي هنا بمفردك.
– لاأعرف؟.
– سوف يظنوك معتوهاً..
– أو لست كذلك!.
تبادلنا الوجوم لحظة، ثم انفجرنا في نوبات ضحك هستيري متواصل، فاضت النشوة، وارتفعت موجات الاستحسان، حتى غابت ولو لحين، جَلّ خيباتنا.
وأنا أغادر المقهى، أدفع الحساب،
كانت جميع الأكواب فوق المنضدة
لازالت دافئة!.