
كتب :هاني الكنيسي
التعتيم على سير المفاوضات الأمريكية الإيرانية في العاصمة الباكستانية بلغ حد أن أحد المراسلين اتهم مسؤولي المركز الإعلامي بمحاولة تضليل الصحافيين حفاظاً على “سرية” المباحثات.
وبخلاف بعض “التسريبات” المنسوبة في مواقع إخبارية لمصادر في الوفد الإيراني عن “الأجواء الإيجابية” وأن “الأمريكيين يستمعون لنا”، أو تلك المنسوبة لمصادر في الوفد الأمريكي عن “اللحظة الدبلوماسية الاستثنائية والحرص على التوصل لاتفاق دون الإخلال بالأولويات”، يمكن حصر المشهد في حدود المتاح من معلومات مستقلة وتصريحات “رسمية” كالتالي:
البيت الأبيض أكد أن المباحثات “ثلاثية ومباشرة وجهاً لوجه”، على عكس جولات التفاوض السابقة بين واشنطن وطهران في الأشهر الماضية التي كانت تتم “عن طريق وسطاء ينقلون رسائل بين وفدين يجلسان في غرفتين منفصلتين”.
نائب الرئيس الأميركي ‘جي دي فانس’ يرأس وفداً يضم ‘جاريد كوشنر’ (صهر ترمب) والمبعوث الخاص ‘ستيف ويتكوف. بينما يترأس رئيس البرلمان ‘محمد باقر قاليباف’ الوفد الإيراني. وقد اجتمع رئيس الوزراء الباكستاني ‘شهباز شريف’ الوفدين “بشكل منفصل” قبل بدء المحادثات المباشرة.
التلفزيون الإيراني الرسمي نقل عن ‘قاليباف’ لدى وصوله إلى إسلام آباد قوله: “لدينا نوايا حسنة، لكننا لا نثق… تجربتنا في التفاوض مع الأميركيين كانت دائماً مليئة بنكث الوعود”.
بالتزامن مع المفاوضات، أعلن ترمب في تدوينة منصته ‘تروث سوشيال’ أن الولايات المتحدة “بدأت عملية تطهير مضيق هرمز”، زاعماً “إغراق جميع سفن زرع الألغام الإيرانية البالغ عددها 28 سفينة”.
فيما نقل موقع ‘أكسيوس’ عن مسؤول أمريكي أن عدة سفن تابعة للبحرية الأمريكية عبرت مضيق هرمز يوم السبت. ونقلت ‘وول ستريت جورنال’ عن مسؤولين آخرين تأكيدات بأن “مدمرتين تابعتين للبحرية الأمريكية مزودتين بصواريخ موجهة قد عبرتا المضيق”، مسجلتين بذلك أول عبور من نوعه منذ بدء الحرب على إيران قبل ستة أسابيع. ووفقًا للصحيفة الأمريكية ذاتها “لم تكن المدمرتان ترافقان سفنًا تجارية”، ووُصفت المهمة بأنها “عملية لتأكيد حرية الملاحة في المضيق”.
في المقابل، تمسكت طهران بما وصفته بـ”الخطوط الحمراء” في مفاوضات إسلام آباد. وذكر التلفزيون الإيراني أن تلك الخطوط تشمل أربع نقاط رئيسية:
1- مضيق هرمز (الذي يُعدّ شريان الحياة لـ20% من إمدادات النفط العالمية)، ويدور الحديث المنسوب لمصادر إيرانية فقط عن مطالبة طهران ببروتوكول أمني رسمي يضمن مرور السفن “بالتنسيق الكامل مع القوات المسلحة الإيرانية”، بينما يتداول الإعلام الإيراني “حصراً” مزاعم عن “إمكانية فرض رسوم مرور، واشتراط الاعتراف بسيادة إيران على المضيق”.. وهو ما تنفيه المصادر الأمريكية جملة وتفصيلاً (برغم تداول حواديت بشان مساومات من ترمب لمشاركة طهران في العوائد).
2- دفع تعويضات عن الحرب: يزعم الإعلام الرسمي الإيراني أن من بين النقاط العشر المطروحة على مائدة التفاوض، إلزام واشنطن بتعويضات عن الخسائر البشرية والمادية الناتجة عن الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي استمرت نحو 40 يوماً. وهو المطلب الذي ترفضه واشنطن “علنًا”. * الإيرانيون اقترحوا تمويلها جزئياً من رسوم هرمز.
3- الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج (تُقدر بنحو 100-120 مليار دولار). وكانت وكالة ‘رويترز’ نقلت في وقت سابق السبت، عن مصدر إيراني رفيع المستوى، أن “واشنطن وافقت على الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة في قطر وبنوك أجنبية أخرى”. إلا أن البيت الأبيض، نفى تلك “المزاعم” يوم السبت أيضا.
4- وقف إطلاق النار “كامل وشامل”: تناقل الإعلام الإيراني -دون غيره-عن مسؤولين في الوفد الحاضر في باكستان “التشديد على هدنة شاملة تشمل لبنان وبقية ساحات محور المقاومة”، بل إن التلفزيون الإيراني بث في نبأ عاجل (اليوم السبت) أن الوفد المفاوض في إسلام آباد “هدد بمغادرة قاعة الاجتماعات في حال لم يتم التوصل إلى قرار يقضي بوقف الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان”. مضيفاً أن ذلك الموقف “حدث خلال لقاء رئيس الوفد ‘قاليباف’ برئيس الوزراء الباكستاني”.
والحقيقة أن المراسلين “غير الإيرانيين” أجمعوا على أن اسم لبنان لم يرد في سياق أي شروط أو مطالب مسبقة طرحتها إيران قبل أو أثناء المفاوضات.
لكن للأمانة، وفي السياق ذاته، أفادت ‘يديعوت أحرونوت’ اليوم بأن ترمب اتصل شخصيًا بالنتنياهو ليطلب منه “تخفيف الضربات على لبنان لتعزيز فرص نجاح محادثات السلام مع إيران”. ونقلت الصحيفة العبرية عن مصادر “مطلعة” أن إسرائيل وافقت على أن تكون “شريكًا مساعدًا” في جهود الدبلوماسية الأمريكية. وطبعا غير خافٍ أنه -على الأرض- واصلت إسرائيل غاراتها اليوم على شتى أرجاء لبنان، وحصدت أرواح المزيد من المدنيين، وهدمت عشرات المباني.
يا ترى ماذا تبقى من خطوط إيران الحمراء في هذه آلمفاوضات. وهل هي فعلًا “حمراء”؟!
Thoughts.