
كتب:هاني الكنيسي
نبرة “التهويل” لا تخطؤها العين في مزاعم الإعلام العبري مؤخرًا عن “مخاوف” المستوطنين (الآمنين) في محيط غزة، بعدما آذت مشاعرهم المرهفة دوي انفجارات وصيحات تدريبات الجيش المصري في عمق المنطقة (ج) المحاذية لحدود سيناء، وهي التي ظلت لعقود رمزًا لـ“الانضباط” والسكون.
ولغرض ما في نفس كوهين، بالغت الصحافة الإسرائيلية في تصوير التدريبات العسكرية -الأسبوع الماضي- في سيناء كـ“شبح” أعاد إلى أذهان دولة الاحتلال صدمة السابع من أكتوبر 2023، “حين انهار الإحساس بالأمان في لحظة خاطفة” على حد تعبير ‘يسرائيل هيوم’.
وبرغم قناعة العديد من المحللين الإسرائيليين “المعتدلين” بأن القلق من الجار المصري “مبالغ فيه”، اكتسبت هذه السردية “الدرامية” زخمًا مع دخول سياسيين بارزين (من أمثال ‘نيسيم فاتوري’ نائب رئيس الكنيست، و’عاميت هاليفي’ من حزب الليكود، و’تسفي سوكوت’ من حزب “الصهيونية الدينية”، و’داني دانون’ السفير السابق لدى الأمم المتحدة) على خط “التطبيل” لفكرة الخطر الآتي “من الجبهة الجنوبية”، وعلا رنينها مع التحذيرات “الهستيرية” على لسان قيادات عسكرية واستخباراتية من “تضخم الجيش المصري”، و“كسر المألوف” في تطبيق بنود كامب ديفيد.
وهنا، يتألق اللواء (احتياط) ‘اسحاق بريك’، الشهير بلقب “نبي الغضب” بعد صدق نبوءاته عن ثغرات المنظومة العسكرية الإسرائيلية في غزة، قبل طوفان السابع من أكتوبر بشهور. جنرال المدرعات الحائز على “وسام الشجاعة” في حرب أكتوبر 1973، والمعروف بنقده اللاذع لحكومة النتنياهو، نشر اليوم مقال رأي طويل (أشبه بمحاضرة) في صحيفة ‘معاريف’، تحت عنوان ” لم تستوعب إسرائيل الدرس”، وعنوان فرعي “على إسرائيل بناء جيش قادر على مواجهة تحديات المستقبل والانتصار في حربها القادمة”، يتناول فيه بالقرائن أسباب قناعته بالخطر العسكري المصري على إسرائيل ودواعي توقعه نشوب حرب “مفاجئة”. فيستهل تنظيره بفقرة تلخّص رؤيته:
“مصر تنتهك معاهدة السلام، وتُعدّ جيشها لحرب على إسرائيل. المصريون يتلاعبون بنا بشكل خطير. يخبرنا التاريخ أنه عشية حرب أكتوبر 1973، نفّذ الجيش المصري 21 مناورة كبرى على الضفة الغربية لقناة السويس وتحولت المناورة الثانية والعشرون إلى عبور القناة. خدع المصريون القيادات السياسية والعسكرية بلعبة التدريبات داخل الحدود، ثم شنّوا حربًا مباغتة، دفعنا ثمنًا باهظًا لها”.
ويزعم الجنرال ‘بريك’ أن هذا “النمط االتخديري” كررته حماس “حرفيًا” في سيناريو 7 أكتوبر 2023، حين سقطت القيادة العسكرية في الفخ رغم توفر المعلومات الاستخباراتية عن تخطيطها لمهاجمة إسرائيل، مضيفًا: “واليوم، تتجدد الخدعة باسم المناورات المصرية على حدودنا”.
ويسهب الكاتب في شرح بنود اتفاقية السلام الموقعة بين إسرائيل ومصر عام 1979 بحديقة البيت الأبيض، والتي يصفها بأنها “كانت حدثًا تاريخيًا غيّر وجه الشرق الأوسط”، خصوصًا ما يتعلّق بالشق “المدني” منها؛ أي “تطبيع” العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والثقافية بين البلدين، وكذلك ما يتعلق بحرية الملاحة التي ضمنتها مصر للسفن الإسرائيلية في قناة السويس، وفي مضيق تيران بالبحر الأحمر “كممر مائي دولي مفتوح”.
ثم تطغى الحدة على نبرته عندما ينتقل إلي الشق “الأمني والعسكري” من المعاهدة، فيستفيض في التذكير بما تضمنته من “ضوابط صيغت بعناية لحماية إسرائيل من الغدر المصري”. ويذكر كيف أن الاتفاقية فرضت قيودًا صارمة على انتشار القوات المصرية في سيناء، عبر تقسيمها إلى ثلاث مناطق (أ، ب، ج)، مع تحديد دقيق لعدد القوات ونوعية التسليح. ثم يشرح كيف أن هذه القيود “تآكلت تدريجيًا” بفعل “استثناءات” متكررة منحتها إسرائيل للجيش المصري منذ عام 2011، بدأت بذريعة مواجهة تهديد تنظيم ‘داعش’ في سيناء، والسماح بإدخال دبابات وأسلحة ثقيلة وبطلعات طيران حربي في المنطقة ‘ب’ (المفترض أن تقتصر على 4 كتائب من حرس الحدود مجهزة بأسلحة خفيفة، وألا يتجاوز عدد أفرادها الإجمالي 4000 جندي)، وبعدها في المنطقة ‘ج’ (شريط بعرض 10 كم على طول الحدود، يُفترض ألا يٌسمح فيه سوى بتمركز قوات الشرطة المصرية وقوة المراقبين الدولية متعددة الجنسيات).
لكن منذ ذلك الوقت -حسب قوله- “تمادت” مصر، و”تساهلت” إسرائيل في السماح بإدخال دبابات ومدفعية إلى مناطق كان يُفترض أن تكون منزوعة السلاح، و”خاطرت” بالموافقة على نشاط جوي مكثف، بل وعلى نشر عشرات الآلاف من الجنود قرب الحدود الإسرائيلية.
ويتباكى الجنرال على تلك “الاستثناءات المؤقتة” التي تحولت بمرور الوقت إلى “واقع دائم” فرضته القاهرة، مستطرداً بلهجة لاذعة: “القيادة السياسية الإسرائيلية لا تملك حتى شجاعة مطالبة المصريين باحترام الاتفاقات الموقعة .. تبدو مستعدة للتخلي عن الأمن مقابل سلام زائف”.
ولا يقتصر رصد ‘بريك’ للشواهد “المخيفة” على تغول القوات المصرية في سيناء أو على خطورة تسليحها، بل يغوص في تحليل تطورات البنية التحتية بشبه الجزيرة خلال السنوات الأخيرة: من طرق استراتيجية، ومخازن وقود وذخيرة، وأنفاق وجسور لعبور قناة السويس، ومهابط طائرات. وجميعها، بحسب تحليله، “أصول” تمكّن مصر من حشد سريع لقوات ضخمة عندما تقرر “شن حرب مباغتة”.
ويتساءل ساخرًا: لماذا تستثمر دولة تعاني أزمات اقتصادية هائلة في بناء جيش بهذا الحجم؟ ومن هو العدو الذي تعد له كل هذه القوة؟
يكرر ‘بريك’ زعمه بأن الجيش المصري “هو الأقوى في الشرق الأوسط اليوم”، مشيرًا إلى تحوله من جيش يعتمد على الكم إلى قوة عسكرية متعددة المصادر والتكنولوجيا، مدعومة بتسليح أمريكي وأوروبي وروسي وصيني.
ولا تتوقّف تحذيرات الجنرال الإسرائيلي عند أخطار “الجبهة الجنوبية”، بل ينتقل إلى مستوى جيوسياسي أعمق بالحديث الصريح عن خطر “التحالف المتنامي بين مصر وتركيا”، مستشهدًا بتدريبات بحرية وجوية مشتركة، واتفاقيات لتصنيع الطائرات المسيّرة، وتوقيع شراكة بينهما في فبراير 2026 لإدارة مصانع الأسلحة في مصر وإنتاج الذخائر والمدرعات.
وفي النهاية، يرى ‘بريك’ أن هذا التحالف الإقليمي قد يفضي إلى “حرب بين إسرائيل وقوتين عظميين”، خصوصًا في ظل خطاب الرئيس التركي أردوغان الذي يردد أن “إسرائيل لا مكان لها في الشرق الأوسط”. ثم يعاود انتقاده لحكومة النتنياهو التي “تعيش أسيرة وهم أن السلام مع مصر سيدوم إلى الأبد، متجاهلةً الواقع المتغير بوتيرة متسارعة”!!