
من الأخطاء الشائعة في التحليل السياسي والاستراتيجي النظر إلى الأحداث على انها منفصلة بعضها عن بعض، وكأن كل تطور يولد وينتهي داخل حدوده المباشرة، وهذا خطأ فالحدث المنفرد قد يبدو عابراً، بينما يؤدي وضع سلسلة من الأحداث والتحولات في سياقها التاريخي والجغرافي، وفي ترابطها البنيوي ، إلى ظهور نمط من الفهم الواضح تساعد على أكتشاف روابط الاحداث. ومن هنا يطرح سؤالين أراهما ضروريين لفهم بعض التحولات الجارية في السياسة الإيرانية:هل نحن أمام نمط جيوسياسي متكامل تتحول فيه أطراف الوطن العربي وممراته ومواطن ضعفه إلى أدوات ضغط على قلبه؟ وهل نشهد ولادة ما يمكن تسميته «نظرية شد الأطراف الإيرانية» تجاه العرب؟
إن نقطة الانطلاق في طرح هذين السؤالين هي التوجه الإيراني الأخير نحو تعزيز العلاقات مع إثيوبيا في أعقاب الموقف المصري الرافض للتوافق مع اسرائيل الشرقية (ايران) ، لكن فهم هذا التطور لا يتوفر إذا عزلناه عن التاريخ السابق للمنطقة وعن النظرية الإسرائيلية المعروفة باسم «نظرية شد الأطراف».بعد قيام إسرائيل الغربية ، واجهت مشكلة استراتيجية أساسية: وجودها وسط محيط عربي واسع كان ومازال رافضاً لها، ومن أجل تجاوز هذه المشكلة طورت في الخمسينيات ما أصبح يعرف بـ«عقيدة الأطراف»، وقامت فكرتها على بناء علاقات مع الدول غير العربية الواقعة على أطراف الوطن العربي في اسيا وافريقيا لموازنة القوة العربية ،وكانت إيران وتركيا وإثيوبيا من أهم ركائز هذه الاستراتيجية، وهذا موثق منذ عهد ديفيد بن غوريون.
إذن، إسرائيل الشرقية كانت جزءاً مهماً من تصور استراتيجي إسرائيلي يتعلق بكيفية التعامل مع العرب،ثم حدثت الثورة الإيرانية سنة 1979 وانقلبت العلاقات بين إسرائيل الشرقية (ايران) وإسرائيل الغربية من التعاون إلى العداء، وتحولت إسرائيل الغربية في الخطاب الإيراني إلى عدو رئيس، ثم وصل الصراع بينهما في السنوات الأخيرة إلى تبادل الضربات العسكرية المباشرة.ولكن هل يعني انقلاب العلاقة السياسية بين الدولتين أن الوظيفة الجيوسياسية القديمة التي قامت عليها نظرية شد الأطراف اختفت بالضرورة؟
هنا ينبغي أن نبتعد عن القراءة الميكانيكية وأن نلجأ إلى قراءة ديالكتيكية تفاعلية للتاريخ: فالقراءة الميكانيكية تقول إن إسرائيل الغربية كانت تستخدم نظرية الأطراف، وكانت إسرائيل الشرقية أحد أطرافها، ثم جاءت الثورة الإيرانية وانتهت تلك المرحلة، وبعد عقود بدأت إسرائيل الشرقية سياسة أخرى مستقلة تماماً عن المرحلة السابقة.
أما القراءة الديالكتيكية فتطرح سؤالاً مختلفاً تماما : هل يمكن أن تتغير العلاقة بين دولتين من التحالف إلى الصراع، بينما تستمر أو يعاد إنتاج بعض الوظائف الجيوسياسية التي نشأت في المرحلة السابقة، ولكن بأشكال جديدة ولأهداف مختلفة؟ هل نحن بأزاء معادلة اخرى كانت غير مولودة بعد وهي ان إثيوبيا تنتقل من فردية شد الأطراف الإسرائيلي إلى ثنائية شد الأطراف الإيراني المرتبط موضوعيا مع شد الاطراف الاسرائيلي؟ وهل يمكن الفصل بين الشد الايراني والشد الاسرائيلي قدر تعلق الامر بأثيوبيا؟
حاولت طهران استمالة مصر إلى موقف أقرب إليها في الصراع الجاري، لكنها لم تنجح في ذلك، فبرز اتجاه إيراني لتعزيز العلاقة مع إثيوبيا بصورة أقوى مما كانت عليه ،ففي 12 أيلول/سبتمبر 2026 التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وبحث الجانبان، وفق وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، تطورات البحر الأحمر والمشهد الأمني الإقليمي! أي أن الحوار لم يكن محصوراً بالتجارة والعلاقات الثنائية، بل شمل فضاءً استراتيجياً يرتبط مباشرة بالأمن العربي، هذه نقطة جديرة بالتأمل!
وإثيوبيا ليست دولة عادية بالنسبة إلى مصر والسودان،إنها تقع عند منابع النيل الأزرق، وتتحكم من خلال سد النهضة بعنصر شديد الحساسية بالنسبة إلى الأمن المائي لمصر والسودان، ولذلك فإن تقوية العلاقة الإيرانية مع إثيوبيا، في ظل الخلاف مع الموقف المصري، ووجود مؤشرات على تباعد سوداني مع ايران ، يمكن أن تمنح طهران ورقة ضغط تقع عند واحدة من أخطر نقاط الضعف الاستراتيجية العربية.
السودان جزء أساسي من معادلة النيل، وهو دولة مصب تتأثر بصورة مباشرة بطريقة إدارة النيل الأزرق وتشغيل سد النهضة، ولذلك فإن أي توظيف استراتيجي للعلاقة مع إثيوبيا لا يضغط على مصر فقط، وإنما يؤثر في السودان أيضاً،وهنا تظهر مفارقة ينبغي عدم المرور عليها سريعاً: إثيوبيا التي كانت ركناً في نظرية شد الأطراف الإسرائيلية القديمة، والتي تحتفظ بعلاقات مهمة مع إسرائيل الغربية ، تصبح في الوقت نفسه موضع اهتمام متزايد من إسرائيل الشرقية ! هل تلك حركة ميكانيكية لا ابعاد ستراتيجية لها ؟ ام انها حركة ديالكتيكية تقترن بأبعاد ستراتيجية خطيرة؟
التفاعل الديالكتيكي يؤكد بان مصر والسودان تجدان نفسيهما أمام وضع غريب: قوة غير عربية عند منابع النيل ترتبط، كل لأسبابه الخاصة، بعلاقات مع قوتين إقليميتين معاديتين للعرب هما إسرائيل الغربية واسرائيل الشرقية.
لا يشترط وجود اتفاق سري بين طهران وتل أبيب حول إثيوبيا، فهذه زائدة مقابل ترابط بنيوي اقليمي ،إن النتائج الموضوعية المتقاطعة لا تشترط دائماً وجود تنسيق بين الأطراف التي تنتجها، فقد تتصارع دولتان عسكرياً وسياسياً، ولكن سياساتهما تجاه طرف ثالث قد تؤدي موضوعياً إلى نتائج متشابهة أو متقاطعة.
وهنا يظهر السؤال: هل إسرائيل الشرقية التي كانت بالأمس أحد أطراف الاستراتيجية الإسرائيلية بدأت اليوم تعيد إنتاج الآلية الجيوسياسية نفسها لحسابها الخاص؟ تزداد أهمية هذا السؤال عندما ننتقل من إثيوبيا إلى الخليج العربي،لقد تبادلت الاسرائيليتان الضربات المباشرة في مرحلة سابقة، ثم توقفت تلك الجولة من المواجهة، لكن توقف الضربات الإيرانية المباشرة على إسرائيل الغربية لم يعن توقف القوة العسكرية الإيرانية عن العمل في الإقليم، اللافت للنظر هو اتجاه مركز الحرب نحو الاقطار العربية الخليجية والاردن.
ولا تتعلق المسألة فقط باستهداف القواعد الأمريكية الموجودة في المنطقة، فلو كانت الضربات الإيرانية محصورة بالقوات الأمريكية لكان من الممكن تفسيرها حصراً في إطار الحرب الإيرانية-الأمريكية، لكن عندما تدخل منشآت ومصالح وبنى تحتية تخص الدول الخليجية نفسها في دائرة الاستهداف والتهديد، يصبح السؤال مختلفاً:لماذا تدفع الدول العربية ثمن صراع تقول طهران إن طرفه الآخر هو الولايات المتحدة وإسرائيل الغربية؟
وإذا كان الهدف هو الضغط على الولايات المتحدة، فلماذا تتحول نقاط الضعف الاقتصادية والأمنية العربية إلى أدوات في ممارسة هذا الضغط؟هنا يظهر مرة أخرى المنطق نفسه الذي نبحث عنه: استخدام نقاط الضعف الواقعة في المجال العربي لتحقيق أهداف استراتيجية إيرانية.ثم ننتقل جنوباً إلى اليمن:فالحوثيون وهم القوة اليمنية الأوثق تبعية لطهران ، أصبحوا لاعباً عسكرياً أساسياً على البحر الأحمر، وتوسع نفوذهم أخيراً في مناطق شديدة الحساسية قرب باب المندب، وقد سيطروا في أيلول 2026 على المخا ومناطق وجزر قريبة من المضيق، في تطور يزيد أهمية موقعهم في واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم.
وهنا ينبغي وضع الخريطة أمامنا كاملة: في الشمال الشرقي يوجد الخليج العربي وإسرائيل الشرقية، وفي الجنوب يوجد اليمن وباب المندب والقوة الحوثية التابعة لطهران،وعلى الجانب الأفريقي من البحر الأحمر توجد إثيوبيا والقرن الأفريقي،وفي الشمال الغربي توجد مصر والسودان، ويرتبط أمنهما المائي مباشرة بمنابع النيل الموجودة في إثيوبيا،وعندما ننظر إلى كل حالة منفردة قد نجد تفسيراً خاصاً بها، لكن عندما نضعها جميعاً على خريطة واحدة يظهر أمامنا قوس جيوسياسي يستحق الدراسة: إثيوبيا ومنابع النيل، مصر والسودان، البحر الأحمر، باب المندب واليمن، الجزيرة العربية، ثم الخليج العربي.
وهنا نعود إلى السؤال الأول:هل نحن أمام نمط جيوسياسي متكامل تتحول فيه أطراف الوطن العربي وممراته ومواطن ضعفه إلى أدوات ضغط على قلبه؟طهران لم تكن غريبة تاريخياً عن نظرية شد الأطراف الصهيونية ، لقد كانت أحد أهم مكوناتها عندما صاغتها إسرائيل الغربية في الخمسينيات، واليوم نجد طهران تتحرك تجاه إثيوبيا، وتتمتع بنفوذ واسع في العراق ولبنان واليمن، وتملك أدوات ضغط مباشرة في الخليج العربي، بينما أصبح حليفها الحوثي قوة مؤثرة عند باب المندب.لذلك فإن وصف ما يجري بأنه مجرد تشابه بين الاستراتيجية الإيرانية الحالية والاستراتيجية الإسرائيلية القديمة قد يكون تبسيطاً للمشكلة،فنحن ربما بأزاء تحول ديالكتيكي داخل البنية الجيوسياسية نفسها: الطرف الذي كان أحد عناصر نظرية شد الأطراف أصبح، بعد تغير الظروف التاريخية، يعيد إنتاج بعض وظائفها بنفسه.
لقد تغيرت إسرائيل الشرقية ، وتغيرت إسرائيل الغربية، وتحولت علاقتهما من التعاون إلى الصراع، لكن السؤال الذي يهم العرب ليس فقط: هل الاسرائيليتين حليفتان أم عدوتان؟ السؤال الأهم هو: ما النتائج الموضوعية لسياسات الدولتين على الوطن العربي؟ فالصراع بين الاسرائيليتين، مهما كان حقيقياً وحاداً، لا يمنع أن تنتج حركتهما في ساحات معينة نتائج متقاطعة تضغط على العرب.
وإذا كانت إسرائيل الغربية قد حاولت تاريخياً تجاوز العرب عن طريق اسرائيل الشرقية وتركيا وإثيوبيا، ثم وجدنا طهران اليوم تتجه إلى إثيوبيا وتستخدم أوراق القوة الموجودة في المجال العربي ومحيطه، فإننا نكون أمام ظاهرة تستحق أن يطلق عليها، على الأقل كفرضية قابلة للاختبار، «نظرية شد الأطراف الإيرانية».
هل تتشكل عقيدة جديدة ؟
هل نشهد إعادة إنتاج لنظرية شد الأطراف في صورة جديدة، بحيث تتحول إسرائيل الشرقية من دولة كانت جزءاً من النظرية الإسرائيلية الأصلية إلى قوة تطور نسختها الخاصة من النظرية الصهيونية ولكن في اطار فارسي؟ اذا كان الجواب نعم فإننا لن نكون أمام تعديل عابر في السياسة الإيرانية، وإنما أمام تحول ستراتيجي بالغ الخطورة : إسرائيل الشرقية التي كانت طرفاً في نظرية شد الأطراف الصهيونية أصبحت منتجاً محتملاً لنسختها الخاصة، بينما بقي الوطن العربي، في الحالتين، هو المجال الذي يقع عليه الضغط من الاسرائيليتين، ومن المايسترو : امريكا !
ولكن يبقى السؤال الاهم الذي جوابه يكمل صورة هذا السيناريو وهو : ماذا سيحصل عندما تكتمل عملية تكامل النظام الايراني البديل والذي تعده امريكا الان وهو سيكون نظاما تابعا لامريكا دون شك؟ هل ستكتمل صورة وجود دول غير عربية تحيط بالوطن العربي لكنها تحولت الى ادوات امريكية، وبالتالي فانها ستشكل نظاما متكاملا تلعب فيه دول شد الاطراف ادوار منسقة بواسطة المايسترو الامريكي؟