
أقسمت أن أخرج من عينيك منتصراً
وأن أعود إلى نفسي كما كنت
وأن أعلق قلبي عند نافذتي
وأمضي لا ألتفت خلفي ولا ألتفت
أقسمت أن أطفئ المصباح في دمي
وأن أنام بلا عطر يذكرني
بأنَّ أنثى على هذا الوجود هنا
كانت إذا ابتسمت في داخلي غنَّت
وقلت: يكفي !
لقد أتعبتني امرأة
كلما حاولت أن أنساها
أعادتني إلى بداياتي الأولى
كأنني لم أحب امرأة قبلها
ولم أكتب الشعر
إلا كي أراها
وقلت: لن أكتب الأشعار ثانية
فما الذي ينفع الأشعار إن ذبلت
تلك التي جعلت من كل قافية
قلباً ومن كل بيت نافذة فتحت؟
وقلت: لن أشتاق
لكنني حين مرَّ اسمك في حديث عابر
تعثر الصوت في حلقي
وضاعت من يدي الكلمات
وصرت أراقب وجهي في المرايا
كأنني أبحث عن رجل
كان يشبهني ثم اختفى
يا سيدتي
أنا الرجل الذي أعلن العصيان
على عينيك ألف مرة
ثم عاد، عند أول التفاتة منك
يطلب الصفح عن عصيانه
أنا الذي قلت للبحر:
لن أعود إلى الشاطئ الذي غرقت فيه
ثم حين سمعت صوتك
رميت ثيابي على الرمل
وركضت نحو الماء
كأنَّ الغرق فيك
هو النجاة الوحيدة
أنا الذي قلت:
لن أراقب نافذتها
ولن أعد النجوم التي تمر فوق بيتها
ولن أسأل الليل عنها
إذا طال
ولن أستجدي من الفجر خبرا
عن امرأة لا تعرف
كم من الفجر أضعته في انتظارها.
لكنني كل مساء
أمرّ من الشارع الذي تسكنين فيه
بلا سبب واضح
وأبطئ الخطوات أمام بابك
وأختلق للأقدام ألف حكاية
كي لا تعترف العيون
بأنها جاءت إليك
فهل رأيت رجلاً
يخدع الطريق لكي يراك ؟
وهل سمعت بقلب
يتظاهر بالنسيان
كي يزداد تعلُّقاً بالذي ينساه ؟
أقسمت أن لا أغار عليك
وأن أكون كبيراً
فوق صغائر العشاق
وأن أقول إذا تحدثوا عنك:
إنَّها امرأة
مثل النساء جميعهن
وأن أبتسم ابتسامة الواثقين
إذا رأيت يداً تمتد نحو يديك
لكن قلبي، ذلك الطفل العنيد
لم يفهم الدرس الذي لقنته
ولم يصدق أنني رجل حكيم
يعرف متى يحب
ومتى ينسحب
رآك تضحكين ذات مساء
لرجل لم أعرف الاسم الذي يحمله
فأشعل الغيرة في دمي
وأقام في صدري محكمة
وسألني:
ماذا فعلت لكي تكون لها ؟
وماذا فعلت لكي لا تكون لك ؟
فقلت: مهلاً يا فؤادي
إنَّ النساء حرائر
وليس من حق المحب أن يستعبد النساء
فقال: أعلم
ولكنني أغار
لا لأنني أملكها
بل لأنني حين أراها تبتسم لغيري
أخشى أن يمر العمر كله
وأظل أنا الرجل الذي أحبها
ولم يعرف
كيف يقول لها: أحبك
يا امرأة
أربكت ترتيب الفصول بداخلي
وجعلت من الصيف شتاء
ومن الشتاء ربيعاً
ومن دقائق غيابها
عمراً طويلاً لا ينتهي
لقد حاولت أن أجد اسماً لحالتنا
فلم أجد
أأنت حبيبتي؟
أم امرأة علمت قلبي
كيف يكون الحب
دون أن تمنحه اسماً؟
أأنت التي تنتظرين رسائلي
كما أنتظر أنا ردّك؟
أم أن أصابعي وحدها
تكتب هذه الحكاية
وأنك تقرئينها
كما يقرأ العابرون إعلاناً على الجدار؟
أحياناً أشعر أن عينيك
تقولان لي كلاما
لا تستطيع الشفاه أن تقوله
وأحياناً
أخاف أن أكون قد صنعت من نظرة
قصراً من الأوهام
وأسكنتك فيه
دون أن أستأذن قلبك
فأين المخطئ الآن؟
أنا الذي قرأ العاطفة في صمتك
أم أنت التي تركت الصمت
يكتب ما يشاء؟
أنا لا أريد أن أكون وهماً
في قصيدة كتبتها
ولا رجلاً استعان بخياله
كي يصدق أن امرأة
قد اختارته من بين الرجال
أريد، ولو لمرة
أن أعرف أين أقف من قلبك
كي لا أظل طوال العمر
واقفاً بين بابين
باب يقود إلى الأمل
وباب يقود إلى الحقيقة
وقلت: لن أهديك ورداً
فالورود التي أهديتها
لم تقنع المسافات أن تتراجع
ولم تجعل الصمت الذي بيننا
أقل اتساعاً
ولن أكتب اسمك على ورقة
ولن أضع صورتك في كتابي
ولن أترك لك بين السطور
رسالة لا يقرؤها سواك
ولكنني، حين رأيت زهرة
تشبه لون المساء في وجنتيك
اشتريتها
وحين قرأت بيتاً من الشعر
يشبه ارتباك يديك
نسخته
وحين مررت بمكتبة
ورأيت ديواناً قد يعجبك
دخلت لأشتريه
ثم خرجت وأنا أحمله
كأنني أحمل موعداً جديداً معك
يا للغرابة !
كيف يظل المرء يعلن توبته
من الحب
ثم يذهب كل يوم
ليبحث عن دليل جديد
على أنه لم يتب؟
أقسمت أن لا أنتظر اتصالاً
وأن أضع هاتفي بعيداً
وأن أعيش نهاري كما يعيش الرجال
الذين لا ينتظرون أحدا
لكن الهاتف صار نافذتي
وصارت الشاشة الزرقاء
مرآة روحي
كلما أضاءت
نهض الأمل في داخلي
كأن ملاكاً صغيراً
أخبرني أنك تذكرتني
فإذا برسالة من صديق
أو خبر عابر
أو إعلان لا علاقة له بك
عدت إلى صمتي
وأغلقت النافذة
وجلست أضحك من نفسي
أي سخرية هذه
أن يصير صوت قصير
قادرا على إسعاد رجل
أو إفساد يومه كله؟
وأي هزيمة هذه
أن أكون صاحب القصائد
الذي يعلم الناس الكبرياء
ثم يرتبك كطفل
حين يرى اسم امرأة
على شاشة هاتفه؟
ولقد عزمت على الرحيل
وقلت: هذا آخر العهد الذي
بيني وبينك
لن أعود إلى الأماكن التي جمعتنا
لن أفتش في الوجوه عن وجهك
لن أستعيد ضحكتك
إذا تحدث المساء عن الفرح
سأغادر المدن التي عرفت هواك
وأبدل الطرقات
والكتب والأغاني
وسأبدأ من جديد
كأن قلبي لم يكن
يوماً لديك
لكنني أدركت حين جمعت أشيائي،
أن الرحيل ليس أن تغيّر عنواناً
ولا أن تترك البيت الذي سكنته امرأة
الرحيل أن تستطيع أن تمرَّ باسمها
دون أن ينكسر شيء فيك
أن تسمع أغنيتها
دون أن يشيح وجهك عن الحياة
أن ترى شبيهة لها
فلا يركض قلبك نحوها
كأنَّ الغائب قد عاد
وهل أستطيع ذلك؟
وهل يملك شاعر
أن ينسى المرأة التي
جعلت من الكلمات بيتاً
ومن البيت وطناً
ومن الوطن قصيدة
لا يعرف كيف ينهيها؟
تعالي إذن
لا كي أعاتبك
ولا كي أطالبك باعتراف
ولا كي أضع قلبك أمام أسئلتي
كما يضع القاضي المتهم أمام الحقيقة
تعالي
كي أجلس أمامك هادئاً
وأرى ملامحك التي أحببتها
دون أن أحتاج إلى اختراع حكاية
أو تفسير نظرة
أو تأويل صمت
قولي الحقيقة يا حبيبتي
فالحقيقة مهما كانت موجعة
أرحم من أمل
يطيل الوقوف على باب
لا يفتح ولا يغلق
إن كنت تحبينني
فليس في الحب ما يستدعي الخجل
وليس في القلب عيب
حين يختار قلباً آخر
وإن كنت لا تحبينني
فسأحزن نعم
وسأحتاج وقتاً كي أستعيد ملامحي
وسأكتب عنك قصائد
ربما لن تقرئيها أبداً
لكنني سأتعلم
أن الحب لا يصبح كذباً
حين لا يجد جواباً
أنا لا أخاف الحقيقة
بقدر ما أخاف
أن أمضي عمري أحب احتمالا
وأن أسمي الانتظار وفاء
والحيرة قدرا
والصمت وعدا
والآن يا سيدتي
أعود إلى قسمي القديم
وأقف أمام قلبي
كأنني أقف أمام رجل آخر
أقول له :
كفى لقد تعبت من الركض خلف امرأة
لا تعرف كم من العمر
أودعته في عينيها
فيبتسم لي
ويقول : وماذا أفعل إن كانت
هي التي أعادت إلى العمر معنى العمر ؟
أقول : سأنساها
فيقول : وماذا عن القصائد التي كتبتها
حين كانت في بالك ؟
أتقتل القصائد كي تنجو ؟
أتمحو البحر من اللوحات
كي لا تذكر الموج ؟
أتغلق باب الربيع
كي لا تمر الفراشات ؟
أقول : سأكون قويا
فيقول : كن قويا
ولكن لا تكذب على قلبك
فليس الضعف أن تحب امرأة
بل أن تقضي العمر كله
تخشى الاعتراف بما تحب
وأصمت
لأنني أعرف أن قلبي
الذي عاندته طويلا
أصدق من كل الوعود التي قطعتها
وأعرف أنني مهما ابتعدت
سأحمل من حكايتنا
ما لا تحمله حقائبي
يا امرأة تسكن الشعر
قبل أن يولد الشعر
وتسكن الحرف
قبل أن يعرف الحرف اسمه
أنا لا أعدك الآن
بأن أحبك إلى الأبد
فالأبد أكبر من قدرتي
ولا أعدك بأن أنساك
فأنا لا أملك مفاتيح الذاكرة.
لا أعدك بأن أكون سعيدا
ولا بأن أكون حزينا
ولا بأن أكتب عنك
ولا بأن أصمت
سأترك للأيام أن تفعل ما تشاء
ولقلبينا أن يختارا
ما لم نستطع اختياره بالكلمات
لكن لي أمرا واحدا
أريد أن أقوله لك : حين أحببتك
لم أكن أبحث عن امرأة
تكمل نقصي
ولا عن يد
تنتشلني من وحدتي
كنت أبحث عن امرأة
إذا حضرت
شعرت أن الحياة
أجمل مما ظننت
وأن العالم
رغم كل ما فيه
يستحق أن نعيشه مرتين
وقد فعلت
فإن بقيت
فأهلا بامرأة
لم تكن يوما عابرة في دمي
وإن رحلت
فاذهبي بسلام
فما أحببتك يوما
كي أجعل من حبي قيدا حول معصمك.
سأحفظ لك في القلب مقعدا
لا يزاحمك عليه أحد
وسأترك للريح نافذتي
وللأشعار حريتها
وللذكرى حقها في البقاء
أما أنا
فقد انتهيت للتو من كتابة عهد جديد
أقسمت فيه ألا أعود إلى الحيرة
وألا أفتش عنك في كل شيء
وألا أعيش على احتمال
وألا أبيع راحتي
مقابل ابتسامة لا أعرف معناها.
ثم قرأت اسمك مصادفة
على صفحة بعيدة
فابتسمت
وكتبت إليك هذه القصيدة
فلا تسأليني بعد الآن
عن سر هذا التناقض
ولا عن سبب عودتي
كلما أعلنت الرحيل
بعض الحكايات لا تنتهي
حين نقرر إنهاءها
وبعض النساء لا يغادرن القلب
حين يغلق القلب أبوابه
أما أنا
فما زلت أتعلم
كيف أحبك دون أن أضيع نفسي
وكيف أحفظ نفسي
دون أن أخون ما شعرت به نحوك
ولعل أجمل ما في الحكاية
أنني رغم كل ما قلته
وكل ما أقسمت عليه
وكل ما كتبته من عهود
ما زلت حين يمر طيفك في خاطري
أشعر أن في قلبي
قصيدة أخرى
لم أكتبها بعد
وربما لن أكتبها
إلا حين تعودين
وربما أكتبها
حين أتعلم أخيرا
أن بعض النساء
يأتين إلى حياتنا
كي نحبهن
وبعضهن
يأتين كي نكتشف
أن قلوبنا
أوسع من قدرتنا على النسيان
كلمات: محمد دعدي
شاعر جزائري