
قرب ميشلان بالريف الفلاماني كان لقاؤنا الأخير، كانتهاء فصول رواية عبثية بدأت لتنتهي، هنا تجلت لي كالشمس في نشأة شوقها، عناقها وحنينها للقبس الأخير من الاهتمام وهي تتفوق على زهرة الأوركيد الشبيهة بالنحلة في الخداع والمها في سحر العينين الخضراوين…
هنا بهذه الغابات من السنديان المورق دائما رغما عن ظروفه، جذبني سكونها القديم وحضنها غزير الدفء والطمأنينة لأمنح نفسي مزيدا من الغوص في سفر تفكيرها والكثير من العزلة وتأويل كل الأخطاء التي حضنتها وآويتها، عبثا، بلا جدوى الحلول، الإرهاصات أيضا التي ظلت لصيقة بأوهام أحلام الطفولة المبعثرة، والوعود اليائسة المنبثقة من شفاه فهمت متأخرة جدا أن الأيام كانت كالسحب العابرة ولم تسطع حمل وتحمل كل تلك الأكاذيب..
لهذا امتطيت قطار الجرأة فجأة ودون سابق إنذار لألحق فلسفتها قرب نهر الشمال الحزين، قبل أفول شمس الفلامان وقبل أن تقرر التلاشي، كطيف من أطيافي التي قسوت عليها ولم أعرها أي انتباه، مع أنوار الغروب الخافتة..
نعم الحوار معها سيكون كجرد للخيبات والارتطام بالأرض الجافة للحفر الوئيد في اللاأمل، في اللاعودة وفي مستقبل لن يشبه ماضيه أبدا…
وأنا في حضنها، نائم كطفل وديع، أرتشف من أنفاسها الكثير، تلألأ لي وجه مياه النهر ليخبرني بكل شيء من ركوده وزاويته المجازية الوحيدة، نعم كريستينا كانت كالمدينة تماما، خائنة بطبعها للأسف وليس بفطرتها. علمت ذلك منذ اليوم الأول الخادع. كم كان سريعا وغير ذي جدوى، كأن خيالها حينها لم يتمالك نفسه …كأن عطرها الأوركيدي كان فقط للتمويه، كأنه لم يتجاوز نفسه وظل حبيس انقباضها وخسارتها، كأنها بالغت فيه لكتم أي جرعة حياة..
مرت الأعوام عليها كتمزق حيل النرد واحدة تلو الأخرى وانقضى الدهر بها هنا على سفوح هذه البراري الفلامانية…متشردمة، تعبة، وبلا وجهة…
كم تجرعت من مرارة الأيام لتعود إلى تأملاتها الأولى ما قبل البكاء على الطفولة التي مرت سريعا…
قلت لها إن عينيك مهما يكن من يأسهما رواية من أحلام هائمة، ومرآة لنزيف من الهيام لم ينقطع منهما، وثغرك اللؤلؤي هذا كم فتر لحياة بلورية هادئة تنسجينها بتلك الابتسامات الماضية، فاستعيديها لتستعيدي نفسك…