رؤي ومقالات

محمد خالد الحسيني يكتب:اليمن .. تقدم حكومي متعدد الجبهات: هل يتحول إلى مكاسب مستدامة؟

ليس من الصعب أن نلاحظ أن شيئًا مهمًا تغير في المشهد اليمني خلال الأسابيع الأخيرة، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في تحديد حجم هذا التغير وحدوده.

فالمعركة التي ظلت لسنوات تدور في مساحة واسعة من الجمود النسبي، عادت فجأة إلى الحركة على عدة محاور.

والقوات الحكومية لا تتحدث هذه المرة عن مجرد صد هجمات، بل عن تقدم ميداني في الجوف، وتقدم ميداني في مأرب، وتقدم ميداني في تعز، بالتزامن مع تصاعد المواجهات على الساحل الغربي.

وبالنسبة لي، فإن أهمية هذه التطورات لا تكمن في عدد المواقع التي تغيرت السيطرة عليها بقدر ما تكمن في تزامن التقدم الميداني على أكثر من جبهة.

ففي الجوف، أعلنت القوات الحكومية تقدمها شرق مدينة الحزم وصولًا إلى مشارف بئر المرازيق، وقالت مصادر عسكرية إنها تمكنت من قطع خطوط إمداد حوثية باتجاه الجبهات الشرقية للمدينة.

وفي مأرب، أعلنت القوات الحكومية تقدمًا واستعادة مواقع في محاور عدة، بالتزامن مع عمليات عسكرية وضربات استهدفت تعزيزات حوثية.

أما في تعز، فقد أعلنت القوات الحكومية تقدمًا والسيطرة على مواقع جديدة، بالتوازي مع استمرار العمليات في عدد من جبهات المحافظة.

إذا أردنا صياغة هذه الوقائع بلغة واحدة، فإن التعبير الأدق هو: تقدم ميداني حكومي على عدة محاور، بدرجات مختلفة من السيطرة والاستعادة، وليس حسمًا عسكريًا شاملًا، وهذه نقطة مهمة؛ لأن الموضوعية لا تنتقص من قيمة التقدم، بل تمنحه وزنه الحقيقي.

في تقديري، لا ينبغي قراءة الجوف ومأرب وتعز كأحداث منفصلة، فإذا تحركت القوات الحكومية في أكثر من اتجاه في الفترة نفسها، فإن قيمة التقدم لا تُقاس فقط بما تم الاستيلاء عليه، وإنما أيضًا بالضغط الذي يمكن أن يفرضه تعدد الجبهات على قدرة الخصم على المناورة والتعزيز.

وهذا استنتاج عسكري منطقي، لكنه يظل استنتاجًا، وليس نتيجة محسومة، فالوقائع تقول إن القوات الحكومية تقدمت في أكثر من محور، أما القول إن هذا التقدم سيؤدي حتمًا إلى انهيار دفاعات الحوثيين أو تغيير ميزان الحرب بصورة نهائية، فذلك أمر يحتاج إلى إثبات ميداني لاحق.

وهنا تحديدًا يصبح الفرق بين الخبر والتحليل ضروريًا: الخبر يقول إن القوات الحكومية تقدمت، أما التحليل فيسأل: ماذا تستطيع أن تفعل بهذا التقدم؟

في الجوف، تكتسب التحركات الحكومية أهمية إضافية بسبب ما أعلنته القوات عن قطع خطوط إمداد حوثية، لكن قيمة هذا التطور لن تُحسم بمجرد الإعلان عنه.

المعيار الحقيقي سيكون: هل تستطيع القوات الحكومية تثبيت المواقع التي تقدمت إليها، وحماية خطوطها، ومواصلة الضغط دون أن تتحول العملية إلى تقدم مؤقت؟

والسؤال نفسه ينطبق على مأرب وتعز، فاستعادة المواقع أو التقدم فيها يمثل مكسبًا ميدانيًا، لكن المكسب العسكري لا يصبح تحولًا استراتيجيًا إلا عندما يمكن الاحتفاظ به وتوظيفه في عمليات لاحقة.

وهنا أرى أن اختبار المرحلة المقبلة ليس تحقيق التقدم فقط، وإنما تثبيته وتوسيعه بصورة متدرجة، وهذا هو الفارق بين جولة عسكرية وبين تغير حقيقي في اتجاه المعركة.

لكن الصورة لا تسير في اتجاه واحد، ففي الوقت الذي شهدت فيه الجبهات البرية تقدمًا حكوميًا، شهد الساحل الغربي تطورات لصالح الحوثيين، بما يؤكد أن ميزان المعركة يتحرك في اتجاهات متعددة.

ولهذا يصبح من الصعب رسم صورة مبسطة تقول إن طرفًا يتقدم في كل مكان والآخر يتراجع في كل مكان.

الأدق أن نقول إن القوات الحكومية تحقق تقدمًا ميدانيًا في محاور برية، بينما يحقق الحوثيون مكاسب ذات قيمة استراتيجية في الساحل.

وهنا تصبح الجغرافيا أهم من العناوين؛ فالموقع الذي يقع في عمق الجبهة ليس كالموقع الذي يقترب من طريق إمداد، والموقع الساحلي ليس كالموقع القريب من ممر بحري دولي.

وهذا يقودنا إلى باب المندب والبحر الأحمر، حيث لم تعد الحرب اليمنية شأنًا يمنيًا داخليًا فقط، فكلما اقتربت المعارك من الساحل الغربي والممرات البحرية، اتسعت دائرة الأطراف التي تنظر إلى اليمن باعتباره قضية أمن إقليمي ودولي.

وفي 28 سبتمبر، جاء لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بالمبعوث الأممي هانس غروندبرغ ليؤكد هذا الترابط، مع تأكيد القاهرة دعمها لوحدة الدولة اليمنية ومؤسساتها والحل السياسي، والتشديد على ضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لما لذلك من ارتباط بالتجارة العالمية وسلاسل إمداد الغذاء والطاقة.

وأرى أن هذا التزامن ليس مصادفة؛ فكلما تحركت الجبهات اليمنية، تحركت معها الدبلوماسية، وكلما اقتربت المعركة من الممرات البحرية، اتسعت دائرة الاهتمام الدولي بها.

لذلك، لا أعتقد أن من الحكمة القفز من التقدم الحكومي الحالي إلى إعلان تحول استراتيجي مكتمل.

فالحوثيون لا يزالون قادرين على شن الهجمات والمناورة، كما أن التطورات على الساحل الغربي أظهرت أن ميزان القوة ليس خطًا مستقيمًا في اتجاه واحد.

السؤال الأكثر ذكاءً، في تقديري، ليس: هل انتصرت القوات الحكومية؟ فهذا سؤال سابق لأوانه.

بل: هل تستطيع القوات الحكومية تحويل التقدم الميداني الحالي إلى مسار مستمر، يراكم المكاسب بدل أن يبددها؟

إذا كان الجواب نعم، فإن ما نشهده اليوم قد يتحول بالفعل إلى نقطة مهمة في مسار الحرب.

أما إذا بقي التقدم محصورًا في عمليات متفرقة دون تثبيت للمكاسب أو قدرة على مواصلة الضغط، فسيكون أقرب إلى جولة جديدة من جولات الحرب الطويلة.

المؤكد اليوم أن القوات الحكومية حققت تقدمًا ميدانيًا في الجوف ومأرب وتعز، وأن المواجهات اتسعت إلى عدة محاور، والمؤكد أيضًا أن الحوثيين حققوا في المقابل مكاسب مهمة على الساحل الغربي، وأن المعركة لم تتحول إلى مسار أحادي الاتجاه.

أما ما أراه قابلًا للاستنتاج، فهو أن اليمن دخل مرحلة كسر للجمود السابق، وأن تعدد الجبهات قد يمنح القوات الحكومية فرصة لإعادة تشكيل ميزان الضغط العسكري.

لكن الفرصة ليست نتيجة، والتقدم ليس حسمًا، والمكسب الميداني لا يصبح تحولًا استراتيجيًا إلا إذا جرى تثبيته والبناء عليه.

وهنا، في اعتقادي، تكمن القصة الحقيقية: اليمن لا يقف بعد أمام حسم الحرب، لكنه يقف أمام لحظة قد يتغير فيها اتجاهها.

والفارق بين الاحتمالين لن تصنعه البيانات السياسية وحدها، بل ستصنعه الجبهة نفسها؛ من يثبت على الأرض، ومن يواصل التقدم، ومن يستطيع تحويل الموقع الذي كسبه اليوم إلى واقع لا يستطيع الخصم استعادته غدًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى