المشهد الثقافي بين التبسيط والإبداع: شروط النهوض الحضاري.. بقلم الكاتب: محمد عدنان بن مير

لم تعد الثقافة في عالم اليوم مجرد ترف فكري يُمارَس داخل الصالونات المغلقة أو يُتداول بين فئة محدودة من المثقفين، بل أصبحت رهاناً مصيرياً تتوقف عليه قدرة الأمم على البقاء والتقدم وصناعة المستقبل. فكل مشروع حضاري عظيم كانت بدايته فكرة، وكل فكرة مؤثرة وجدت طريقها إلى الجماهير قبل أن تتحول إلى قوة فاعلة في الواقع. ومن ثمّ، فإن بناء مشهد ثقافي متماسك لا يتحقق إلا بتبسيط الفعل الثقافي وجعله قريباً من الإنسان العادي وقادراً على مخاطبة وجدانه وعقله معاً، دون أن يفقد عمقه أو يتنازل عن قيمته المعرفية.
غير أنّ التبسيط لا يعني الابتذال، كما أن الانفتاح لا يعني الذوبان. فحين تنفصل الثقافة عن المجتمع وتتحول إلى خطاب نخبوي معقد، تترك الجماهير فريسة للجهل والخرافة والأوهام، وحين تستسلم للأنساق المستوردة استسلاماً كاملاً، تفقد شخصيتها وقدرتها على الإبداع. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في نشر الثقافة فحسب، بل في صناعة ثقافة أصيلة ومتجددة، تستمد روحها من تراثها، وتستفيد من منجزات العصر، وتؤسس وعياً قادراً على تحويل المعرفة إلى نهضة، والفكر إلى حضارة.
وقد أدرك المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي هذه الحقيقة حين اعتبر أن الهيمنة الحقيقية لا تُمارس بالقوة وحدها، بل من خلال الثقافة القادرة على تشكيل الوعي الجماعي. كما يؤكد مالك بن نبي أن مشكلة المجتمعات المتخلفة ليست في نقص الأشياء بقدر ما هي في نقص الأفكار القادرة على تحريك التاريخ وصنع الحضارة.
وعليه تبرز الإشكالية الآتية: **كيف يمكن بناء مشهد ثقافي جماهيري يجمع بين العمق والبساطة، وبين الأصالة والانفتاح، بما يجعله رافعة حقيقية للمشروع الحضاري؟**
أولاً: تبسيط الثقافة ضرورة لا غنى عنها لإشراك الجماهير في الفعل الحضاري
إن الثقافة التي لا تصل إلى الناس تفقد جزءاً كبيراً من وظيفتها الاجتماعية؛ ذلك أن قيمة الفكرة لا تقاس بعمقها النظري فقط، بل بقدرتها على التأثير في الواقع وتحريك السلوك الإنساني. فإذا كانت الثقافة موجهة إلى الإنسان، فإن أول شروط نجاحها أن تكون مفهومة وقابلة للتداول بين أوسع فئات المجتمع.
وانطلاقاً من هذا المعنى، فإن تبسيط الفعل الثقافي لا يُعَدُّ تنازلاً عن الجودة أو تخفيضاً من مستوى الإبداع، بل يمثِّل شرطاً أساسياً لفاعليته واستمراريته. فالفيلسوف سقراط لم يجعل الفلسفة سجينة المدارس المغلقة، بل مارسها في ساحات أثينا وبين عامة الناس، مؤمناً بأن الحكمة لا ينبغي أن تكون امتيازاً خاصاً بفئة دون غيرها. كما يؤكد المفكر الفرنسي إدغار موران أن المعرفة لا تحقق رسالتها إلا إذا استطاعت الوصول إلى مختلف الشرائح الاجتماعية.
وتقدِّم التجارب المعاصرة أدلة واضحة على ذلك؛ فانتشار المكتبات العامة، ومعارض الكتب، والمنصات الرقمية التعليمية أسهم في توسيع دائرة المشاركة الثقافية، وجعل المعرفة أكثر قرباً من الجمهور. وفي المقابل، فإن الثقافة حين تنزوي في الفضاءات المغلقة والمنابر العاجية تتحوَّل إلى خطاب نخبوّي محدود التأثير، وتفقد قدرتها على إحداث التغيير الاجتماعي.
ومن ثم، فإن نجاح المشهد الثقافي مرهون بقدرته على الجمع بين العمق والوضوح؛ أي إنتاج معرفة رصينة بلغة قريبة من الناس، وبأساليب تجعل الجمهور شريكاً في الفعل الثقافي لا مجرد متلقٍّ سلبي له.
ثانياً: الثقافة حصن ضد الجهل والوهم وشرط للإقلاع الحضاري
إذا كانت الثقافة أداة للوعي، فإن غيابها يفتح الباب أمام الجهل والخرافة والأوهام. ولذلك فإن العلاقة بين الثقافة والتنمية الحضارية ليست علاقة عرضية أو هامشية، بل علاقة جوهرية؛ إذ لا يمكن لأمة أن تحقق نهضتها وهي عاجزة عن بناء وعي أفرادها وتحصينهم فكرياً.
وقد ذهب ابن خلدون إلى أن ازدهار العمران مرتبط بازدهار العلوم والمعارف، لأن الحضارة في جوهرها نتاج للعقل الإنساني المبدع. كما أكد الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أن تحرر الإنسان يبدأ من امتلاكه الجرأة على استخدام عقله دون وصاية من أحد، وهو ما لخصه في شعاره الشهير: «لتكن لديك الشجاعة لاستعمال عقلك».
ومن الناحية الواقعية، يلاحظ أن المجتمعات التي استثمرت في الثقافة والتعليم استطاعت تحقيق قفزات تنموية كبيرة. ويُستشهد في هذا السياق بالتجربة اليابانية التي جعلت من المعرفة والعلم والثقافة أساساً لنهضتها الحديثة. وعلى النقيض من ذلك، فإن المجتمعات التي أهملت الثقافة وسمحت بانتشار الفكر الخرافي والتلقين الجامد ظلت تعاني من مظاهر التبعية والتخلف.
إن الجماهير التي تبقى بين مطرقة الجهل وسندان الوهم لا تستطيع بناء مشروع حضاري متماسك، لأن النهضة الحقيقية تبدأ من الإنسان الواعي القادر على التفكير النقدي، وتمييز الحقيقة من الزيف، والمعرفة من الوهم. ومن هنا تتأكد أهمية المشهد الثقافي بوصفه وسيلة لتحرير العقول قبل بناء المؤسسات.
ثالثاً: بين الانفتاح على الآخر والحفاظ على الذات… معادلة الإبداع الثقافي
غير أن انتشار الثقافة وحده لا يكفي لتحقيق النهضة إذا كانت تلك الثقافة مجرد انعكاس لأنساق فكرية مستوردة أو قوالب جاهزة مستهلكة. فالمشهد الثقافي يبلغ القاع حين يفقد أصالته ويتحول إلى مجرد نسخة باهتة من تجارب الآخرين، كما يبلغ القاع أيضاً حين ينغلق على ذاته ويرفض التفاعل مع العالم.
لذلك فإن المطلوب ليس رفض الآخر ولا استنساخه، بل إقامة علاقة نقدية متوازنة معه تقوم على الأخذ والعطاء. فالحضارات الكبرى لم تتشكل عبر العزلة، وإنما عبر التفاعل الخلاق بين الثقافات المختلفة. والحضارة الإسلامية خير مثال على ذلك؛ إذ استفادت من التراث اليوناني والفارسي والهندي، لكنها لم تكتفِ بالنقل، بل أعادت إنتاج المعارف وأضافت إليها إسهامات أصيلة في الفلسفة والطب والرياضيات والفلك.
وفي هذا السياق، يدعو المفكر المغربي محمد عابد الجابري إلى التعامل مع التراث بعقل نقدي يرفض التقديس الأعمى كما يرفض القطيعة المطلقة. فالتراث ينبغي أن يكون منطلقاً للإبداع لا عبئاً عليه، ومصدراً للإلهام لا سجناً يمنع التجديد.
ويكتسب هذا التصور عمقاً إضافياً عند استحضار **نظرية ما بعد الهيمنة** للكاتب **محمد عدنان بن مير**، المنطلقة من نقد مختلف أشكال الهيمنة الفكرية والثقافية التي تجعل المجتمعات مجرد مستهلكة للمعرفة ومنفعلة بإنتاج الآخر. فمرحلة ما بعد الهيمنة لا تعني القطيعة مع الثقافات العالمية أو رفض التفاعل معها، وإنما تعني الانتقال من وضعية التلقي والتبعية إلى وضعية الفاعلية والإنتاج والمشاركة في صناعة الأفكار والقيم والمعارف. فالثقافة، وفق هذا التصور، ليست أداة للمحافظة على الموجود فحسب، بل وسيلة لتحرير الوعي من كل أشكال الاستلاب وإعادة تأسيس الذات الحضارية على قاعدة الثقة بالإمكانات المحلية والانفتاح النقدي على التجارب الإنسانية. ومن ثم فإن بناء مشهد ثقافي متوازن يقتضي تجاوز منطق الهيمنة الثقافية الذي يفرض نماذج جاهزة للتفكير والإبداع، لصالح مشروع ثقافي مستقل يستند إلى خصوصيته التاريخية ورصيده الحضاري دون أن ينعزل عن الحراك الفكري العالمي. وبذلك تلتقي نظرية ما بعد الهيمنة مع مطلب الإبداع الثقافي في كونها تدعو إلى إنتاج المعرفة لا استهلاكها، وإلى تأسيس علاقة تكافؤ وحوار مع الآخر بدلاً من علاقة التقليد والتبعية، وهو ما يجعل الثقافة مدخلاً أساسياً لتحقيق الاستقلال الحضاري وبناء نهضة حقيقية ومستدامة.
إن الإبداع الثقافي الحقيقي هو ذلك الذي يكون واحداً في جوهره الإنساني، ومتعدداً في مظاهره وتجلياته، متجذراً في بيئته الحضارية دون انغلاق، ومنفتحاً على العالم دون ذوبان. فالثقافة الحية لا تكرر الماضي ولا تستنسخ الحاضر، وإنما تعيد بناء الذات باستمرار وفق متطلبات العصر وتحدياته.
إن المشهد الثقافي لا يُقاس بعدد الكتب المنشورة ولا بكثرة الندوات والمؤتمرات، وإنما يُقاس بمدى حضوره في وعي الناس وقدرته على صناعة الإنسان القادر على التفكير والإبداع والتغيير. فالثقافة التي تبقى حبيسة النخب تموت في عزّ مجدها، أما الثقافة التي تنزل إلى المجتمع وتحاوره وتلامس قضاياه فإنها تتحول إلى طاقة تاريخية قادرة على صناعة التحولات الكبرى.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الحضارات لا تنهض باستيراد النماذج الجاهزة ولا بالاحتماء خلف أسوار الماضي، وإنما تنهض حين تجعل من تراثها منطلقاً للإبداع لا قيداً عليه، ومن الانفتاح وسيلة للتجدد لا بوابة للتبعية. فالمطلوب ليس رفض الآخر ولا استنساخه، بل محاورته من موقع الوعي والثقة والقدرة على الإنتاج الثقافي المستقل.
وفي هذا السياق، تبدو **نظرية ما بعد الهيمنة** دعوةً فكرية إلى تجاوز حالة الارتهان للنماذج الجاهزة، والانتقال نحو ثقافة منتجة للمعنى والمعرفة، قادرة على تحويل المجتمع من موضوع للتأثير إلى فاعل في صناعة الحضارة والإنسان والتاريخ. فالمجتمعات لا تخرج من دائرة التبعية الثقافية بمجرد استعادة الماضي أو استهلاك منجزات الحاضر، بل عبر امتلاك القدرة على الإبداع وصناعة الأفكار التي تعبر عن واقعها وتستشرف مستقبلها.
وعليه، فإن مستقبل أي أمة يبقى رهيناً بقدرتها على تحويل الثقافة من نشاط هامشي إلى مشروع مجتمعي شامل، ومن خطاب استهلاكي إلى قوة منتجة للمعرفة والوعي والحرية. فحين تصبح الثقافة شأناً مجتمعياً عاماً، ويتحول الإبداع إلى قيمة يومية، ويتأسس الوعي على العقل والنقد والانفتاح، عندها فقط يمكن الحديث عن بداية فعلية للإقلاع الحضاري.
**وإذا كانت النهضة تبدأ بفكرة، وكانت الفكرة لا تحيا إلا داخل فضاء ثقافي واعٍ ومبدع، فهل نمتلك اليوم الإرادة والوعي الكافيين لبناء مشهد ثقافي عربي مستقل يحقق التوازن بين خصوصية الهوية ومتطلبات العالمية، وينتقل من مرحلة الهيمنة والتبعية إلى مرحلة الإبداع والريادة وصناعة الحضارة؟
بقلم الكاتب: محمد عدنان بن مير