
لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً أُخْرَى
نَعُودُ بِهَا قَلِيلًا
إِلَى تِلْكَ الظَّهِيرَةِ
حِينَ كَانَ الضَّوْءُ مُسْتَلْقِيًا
عَلَى كَرْمَةِ الْعِنَبِ
وَحِينَ كَانَتْ أُمِّي
تَضَعُ يَدَهَا عَلَى جَبِينِهَا
وَتَقُولُ إِنَّ النَّهَارَ طَوِيلٌ
لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً
لَرَجَعْنَا إِلَى الْغُرْفَةِ
بِكُلِّ مَا فِيهَا
إِلَى السِّتَارَةِ
الَّتِي لَمْ تَكُنْ تَسْتَقِيمُ
إِلَى الْغُبَارِ الرَّفِيعِ
عَلَى الرَّفِّ
إِلَى رَائِحَةِ الصَّابُونِ
فِي قَمِيصٍ قَدِيمٍ
إِلَى ضَوْءِ التِّلْفَازِ
وَهُوَ يَرْتَجِفُ عَلَى الْجِدَارِ
إِلَى صَوْتِ أَحَدِهِمْ
يُنَادِينَا مِنْ بَعِيدٍ
وَلَا نُجِيبُ
فَقَطْ لِنَسْمَعَ النِّدَاءَ
مَرَّةً أُخْرَى
نَعُودُ إِلَى الْأَشْخَاصِ
قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ وُجُوهُهُمْ صُوَرًا
قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ
أَنْ نُحَدِّقَ طَوِيلًا فِي عَيْنَيْنِ
لَنْ تَفْتَحَا لَنَا الْبَابَ ثَانِيَةً
نَعُودُ إِلَى ضِحْكَةٍ
كَانَتْ تُزْعِجُنَا
إِلَى سُؤَالٍ مُكَرَّرٍ
كُنَّا نَتَمَنَّى لَوْ يَصْمُتُ
لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً
لَعَرَفْنَا أَنَّ الْأَشْيَاءَ
الَّتِي أَثْقَلَتْ أَيَّامَنَا
هِيَ نَفْسُهَا
الَّتِي سَتَجْعَلُ الْغِيَابَ ثَقِيلًا
تِلْكَ الْخِزَانَةُ
الَّتِي كُنَّا نُرِيدُ نَقْلَهَا
تِلْكَ السَّاعَةُ
الَّتِي كُنَّا نَكْرَهُ صَوْتَهَا
رَائِحَةُ الْمَطَرِ
حِينَ كُنَّا نُغْلِقُ النَّافِذَةَ
حَتَّى الْمَلَلُ نَعُودُ إِلَيْهِ
نَجْلِسُ دَاخِلَهُ بِلَا اسْتِعْجَالٍ
لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً
لَمَا مَحَوْنَا شَيْئًا
نُرِيدُ حَتَّى الْأَخْطَاءَ
الِارْتِبَاكَ
الْخِصَامَ
الْأَبْوَابَ الَّتِي أُغْلِقَتْ فِي وُجُوهِنَا
اللَّيَالِيَ الَّتِي طَالَ فِيهَا الصَّمْتُ
نُرِيدُهَا كَمَا كَانَتْ
بِخُشُونَتِهَا كُلِّهَا
لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً
لَعُدْنَا إِلَى اللَّيْلَةِ
الَّتِي جَلَسْنَا فِيهَا جَمِيعًا
دُونَ أَنْ نَعْرِفَ
أَنَّهَا الْمَرَّةُ الْأَخِيرَةُ
إِلَى أَبِي
حِينَ طَالَ صَمْتُهُ
عَلَى طَرَفِ الْحَدِيثِ
إِلَى أُمِّي
حِينَ أَخْفَتْ تَعَبَهَا
وَقَالَتْ:
لَا شَيْءَ
إِلَى أَخِي
وَهُوَ يَخْرُجُ غَاضِبًا
وَيُغْلِقُ الْبَابَ
نُمْسِكُ اللَّحْظَةَ
قَبْلَ أَنْ يَصْبَحَ الْبَابُ ذَاكِرَةً
نَعُودُ إِلَى الَّذِينَ
قُلْنَا لَهُمْ:
سَنَلْتَقِي غَدًا
إِلَى الْغَدِ نَفْسِهِ
ذَلِكَ الْغَدِ الَّذِي لَمْ يَأْتِ
نَعُودُ إِلَى وَجْهٍ كَانَ أَمَامَنَا
وَكُنَّا نُؤَجِّلُ النَّظَرَ إِلَيْهِ
إِلَى يَدٍ
أَفْلَتْنَاهَا فِي مَحَطَّةٍ
إِلَى حُضْنٍ بَخِلْنَا عَلَيْهِ
لِأَنَّنَا ظَنَنَّا
أَنَّ الْعُمْرَ طَوِيلٌ
نَعُودُ حَتَّى إِلَى خُصُومَاتِنَا
إِلَى الْكَلَامِ الَّذِي
كَانَ أَقْسَى مِمَّا يَنْبَغِي
إِلَى تِلْكَ الْجُمْلَةِ
الَّتِي خَرَجَتْ فِي الْغَضَبِ
ثُمَّ بَقِيَتْ لِسَنَوَاتٍ
لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً
لَمَا اخْتَرْنَا لَحْظَةً جَمِيلَةً
وَتَرَكْنَا سِوَاهَا
نُرِيدُ تِلْكَ الْأَيَّامَ
كَمَا كَانَتْ
لَا كَمَا حَفِظْنَاهَا
ثُمَّ نُمْسِكُهَا
لَحْظَةً وَاحِدَةً
قَبْلَ أَنْ تَتَفَلَّتَ مَاضِيًا
نَجْلِسُ فِي عَيْنِهِ
وَنَبْكِيهِ
كلمات: مريم عيسى