رؤي ومقالات

محمد خالد الحسيني يكتب:أمن السعودية واستعادة اليمن: تقاطع المصالح واختبار النتائج

تضع عملية فجر اليمن العلاقة بين أمن السعودية ومستقبل الدولة اليمنية أمام اختبار سياسي يتجاوز حدود المواجهة العسكرية: هل يقتصر التصعيد على تحقيق الردع وحماية المملكة، أم يفتح الطريق أمام استعادة اليمن دولته ومؤسساته وسيادته؟

إذا كان التصعيد السعودي ضد الحوثيين يستهدف حماية المملكة فحسب، فهو معركة ردع؛ أما إذا كان يستهدف إنهاء سلطة السلاح خارج الدولة، وتمكين الحكومة اليمنية من استعادة مؤسساتها وسيادتها، فنحن أمام تحول استراتيجي قد يغيّر مستقبل اليمن.

وفي نظري، فإن الفارق بين المسارين هو جوهر اللحظة الراهنة، والمعيار الذي ينبغي أن تُقاس به حقيقة التوجه السعودي، بعيدًا عن ضجيج التعبئة السياسية والإعلامية.

ما قيمة أي تصعيد عسكري إذا انتهى بحماية الحدود السعودية، بينما بقيت الدولة اليمنية غائبة؟ فالمواجهة مع الحوثيين قد تحقق للمملكة أهدافًا أمنية مباشرة، لكنها لن تعالج أصل الأزمة اليمنية ما لم تقترن بمسار واضح يعيد للدولة مؤسساتها وسيادتها.

ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للتصعيد ليس حجم الضربة المرتقبة، بل الغاية السياسية التي يُراد تحقيقها من ورائها.

في رأيي، لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن تزامن الهجمات التي استهدفت مدنًا ومنشآت ومطارات سعودية مع التحركات العسكرية المرتبطة بعملية فجر اليمن، وما يرافق ذلك من استنفار سياسي وإعلامي وتعبئة داخلية وخارجية.

فهذا التزامن يفتح الباب أمام احتمال تقاطع مسارين: حماية الأمن السعودي واستعادة الدولة اليمنية، لكنه لا يكفي وحده للجزم بأن الرياض تتجه إلى استراتيجية متكاملة تجمع الهدفين، أو أن التصعيد مقدمة حتمية لحسم المعركة اليمنية.

وما يلفت الانتباه، في نظري، ليس التصعيد العسكري وحده، بل ما يصاحبه من حشد للمواقف السياسية والإعلامية، واستنفار للخطاب الديني والفكري لتبرير المواجهة وإضفاء المشروعية عليها.

وقد يكون هذا الحشد تمهيدًا لمرحلة أكثر اتساعًا، لكنه يظل مؤشرًا لا دليلًا قاطعًا على طبيعة القرار السعودي أو أهدافه النهائية؛ فالدول قد تحشد الدعم دفاعًا عن أمنها، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها قررت خوض معركة شاملة لتغيير الواقع السياسي في دولة مجاورة.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين حق السعودية في الدفاع عن أمنها وسيادتها، وبين النتائج السياسية التي يمكن أن تنتهي إليها المواجهة.

فمشروعية حماية المواطنين والمنشآت من الهجمات لا تحسم تلقائيًا سؤال مستقبل اليمن، كما أن تدمير القدرات العسكرية للحوثيين لا يعني بالضرورة استعادة الدولة أو إنهاء الانقسام.

وفي اعتقادي، لا ينبغي أن يتحول الخطاب الديني والفكري إلى تفويض مفتوح للخيارات العسكرية، أو إلى بديل عن النقاش الجاد بشأن أهدافها وحدودها ومآلاتها، فالسؤال ليس فقط: هل المواجهة مبررة؟ بل أيضًا: ماذا بعدها؟

هنا تحديدًا يدخل الاختبار الحقيقي لعملية فجر اليمن إلى قلب المعادلة، فالمسألة لا تتعلق بعدد الضربات التي ستُوجَّه للحوثيين، بل بما إذا كان التصعيد سيترجم إلى تحرك ينهي أزمة الدولة اليمنية، أم سيتوقف عند حدود حماية المملكة.

فإذا كانت الضربات تستهدف ردع الحوثيين وتدمير قدراتهم على استهداف السعودية، فقد تحقق أهدافًا أمنية مباشرة، لكنها لن تكون كافية وحدها لمعالجة جذور الأزمة.

أما إذا جاء التصعيد ضمن استراتيجية متكاملة تسند القوات الحكومية اليمنية وتمكّنها من استعادة مؤسسات الدولة وسيادتها، فإننا نكون أمام مسار يتجاوز حماية المصالح السعودية إلى تغيير الواقع الذي أنتج الأزمة.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل ستكون فجر اليمن بداية لاستعادة الدولة، أم ستظل المعركة محكومة بسقف الأمن السعودي، مهما اتسعت عملياتها العسكرية؟

في نظري، يكمن الفارق بين المسارين في طبيعة النتائج، لا في حجم الضربات، فالمعركة التي تكتفي بحماية المصالح السعودية قد تنتهي بترتيبات أمنية مؤقتة، بينما المعركة التي تجعل استعادة الدولة اليمنية هدفًا واضحًا يمكن أن تفتح الطريق أمام استقرار أكثر استدامة.

غير أن ذلك يتطلب رؤية سياسية ومؤسسية تتجاوز العمليات العسكرية، وتضمن توحيد القرارين العسكري والأمني، وتمكين الحكومة من ممارسة سلطتها الفعلية، وحماية المدنيين، ومنع إعادة إنتاج مراكز النفوذ والانقسام بصيغ جديدة.

ولا أرى أن المصالح السعودية والقضية اليمنية متعارضتان بالضرورة؛ فقيام دولة يمنية مستقرة، قادرة على ضبط أراضيها وحدودها واحتكار السلاح، يمثل مصلحة مشتركة للبلدين.

لكن هذا التقاطع لا ينبغي افتراضه أو الاكتفاء بإعلانه، بل يجب الحكم عليه من خلال طبيعة الدعم المقدم للحكومة اليمنية، والأهداف المعلنة للعمليات، وما إذا كانت نتائجها ستؤدي إلى استعادة المؤسسات أم ستقتصر على فرض معادلة ردع جديدة.

لذلك، أعتقد أن المرحلة المقبلة ستكشف حقيقة التوجه السعودي من خلال الأفعال والنتائج، لا من خلال التصريحات وحملات التعبئة.

فإذا توقف التحرك عند حدود ردع الهجمات وحماية المملكة، فسيكون قد حقق هدفًا أمنيًا، أما إذا اقترن بإسناد مستمر لمشروع استعادة الدولة اليمنية، فسيكون أمام اليمنيين احتمال حقيقي لتحويل التصعيد إلى فرصة سياسية وتاريخية.

في المحصلة، ليس السؤال الأهم ما إذا كانت السعودية ستوجه ضربة قاصمة للحوثيين، بل ما إذا كانت هذه الضربة، إن وقعت، ستقوض مشروع تقويض الدولة اليمنية أم ستعيد رسم معادلة الردع دون معالجة أصل الأزمة.

وفي رأيي، لا تُقاس القيمة الاستراتيجية لأي معركة بحجم ما تدمره من قدرات الخصم فحسب، بل بما تؤسسه من دولة وما تحققه من استقرار.

فحماية أمن المملكة هدف مفهوم ومشروع، لكن استعادة الدولة اليمنية تظل القضية المركزية لليمنيين، والمعيار الحقيقي لأي تحرك يُراد له أن ينهي الحرب، لا أن يؤجل جولتها المقبلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى