
ليس البحر الذي يعيد الغرقى دائما.. أحيانا تعيد اليابسة إلى البحر أناسا لم يبتلوا قط.. يأتونه بكامل ثيابهم.. وبملوحة لا تظهر على وجوههم.. وبأقدام أمضت عمرا طويلا تتعلم الوقوف في الأماكن التي ضاقت بأصحابها.. حتى إذا بلغوا آخر الرمل.. وأحسوا بخشونته تتسلل إلى أحذيتهم.. أدركوا أن اليابسة التي احتموا بها من الغرق كانت تقتطع في كل يوم ينجون فيه من الماء شيئا من قدرتهم على السباحة في الحياة.
ولليابسة جمارك لا تظهر على الخرائط.. تعترض الإنسان عند مخارج الأعمار.. وتستوقفه كلما حاول العبور من حياة إلى أخرى.. وتطلب منه التصريح عما يحمله من أسماء لم تعد تخصه.. وعن رسائل احتفظت بحرارة الأصابع التي طوتها بعد أن بردت اليد التي كان ينتظر منها الجواب.. وعن مفاتيح ألغيت أقفالها وما زالت تحدث في الجيوب رنين أصحاب البيوت القديمة.. وقد يصادر منه العبور أشياء لم يكن يعرف أنه يحملها.. فيما يسمح لأثقل أمتعته بالمرور لأنها لا تظهر على أجهزة التفتيش.
وفي تشريعات هذه الجمارك مادة لم يكتبها أحد.. فهي لا تحصي ما أخذه الإنسان معه حين غادر.. وإنما ما أدخله إلى عمره دون أن ينتبه.. وما دفعه من أيامه رسوما لإقامة تجاوزت مدتها.. وما أنفقه من صبره على بضائع فقدت صلاحيتها للاستعمال وظل يجدد لها وثائق البقاء.. خشية أن يعترف بأن اليد التي بالغت في حراستها لم تعد تملك منها شيئا.
وللبحر حساب لا يستقيم على دفاترنا.. نأتيه بمواعيد شاخت في بطون التقاويم.. وبوجوه استأجرت من ذاكرتنا غرفا مطلة على أجمل ما مضى ثم غادرت دون أن تعيد مفاتيحها.. وبأعمار أمضيناها في صيانة ما كان يتداعى من تلقاء نفسه.. وقد سلّمنا الغائبون عهدة ما تركوه دون أن يستشيرونا.. فمضينا نراجع قوائم الجرد في مستودعات أفرغت منذ أعوام.. ونثبت في السجلات تاريخ اختفاء كل شيء.. دون أن نسأل عن السنوات التي قضيناها نحرس أبوابا لم يعد وراءها ما يستحق الحراسة.
نحفظ ساعة الرحيل.. وننسى الصباحات التي سبقته ونحن نصلح هندام الانتظار.. نستعيد آخر ما قيل لنا بدقة من يخشى أن تسقط كلمة من محضر شهادته.. ولا نعرف كم من عمر أنفقناه نهيئ وجوهنا للقاء لم يعد مدرجا في مواعيد أحد.. ونحصي ما انتزع من أيدينا.. دون أن نلتفت إلى ما أبقيناه فيها طويلا حتى تعطلت أصابعنا عن التقاط سواه.
وفي الشتاء.. حين ينفض الشاطئ عن جسده آثار المصطافين.. وتبقى الحفر الصغيرة التي خلفتها قوائم الكراسي ممتلئة بماء المطر.. وتنام المظلات المطوية في المخازن كطيور عوقبت على اتساع أجنحتها.. يعود إلى البحر أناس لا يعرفون كيف يشرحون سبب مجيئهم.. يقفون عند الحافة التي ينتهي فيها سلطان التراب.. ويمعنون النظر في الماء الذي لا يحتفظ بصورة واحدة لنفسه.. كأنهم جاؤوا يسألونه كيف يستطيع أن يتغير في كل لحظة دون أن يفقد اسمه.. بينما يظل الإنسان يحمل الاسم نفسه زمنا طويلا بعد أن تكف الحياة عن التعرف إلى صاحبه.
ويحدث أن يتذكر أحدهم بابا أغلق في وجهه منذ عشرين عاما.. يستعيد الطلاء المتقشر عند مقبضه.. ورائحة الخشب الذي بلله المطر.. والصوت المعدني للمزلاج حين استقر في موضعه.. ثم يتذكر خبرا بلغه بعد أعوام عن الذين دخلوا من ذلك الباب.. وعن الأعمار التي استهلكت وراءه.. فيجد نفسه مضطرا إلى إعادة النظر في حادثة ظل يدرجها في سجل الحرمان.. وقد تبين له أن ما مُنع منه يومئذ كان يمكن أن يصبح أكثر ما يحتاج اليوم إلى النجاة منه.
ولكن بأي تاريخ تقَيد النجاة حين لا تقع الكارثة؟ وكيف يثبت المرء في سجلات عمره فضل باب لم يفتح.. أو موعد أخلف.. أو يد لم تمتد إليه.. إذا كانت الحياة لا تسلمنا إيصالات عما وفرته علينا من خسائر.. ولا تسمح لنا بالاطلاع على المصائر التي كانت تنتظرنا لو استجيب لكل ما ألححنا في طلبه؟
وللخسارات التي لم تقع مشكلة مع التاريخ.. إنها بلا شهود.. وبلا تواريخ.. وبلا شواهد قبور يزورها الندم.. لا تُرفع بشأنها دعاوى.. ولا تفتح لها ملفات تعويض.. ولا يعرف أصحابها أنهم خرجوا منها سالمين.. لأن الإنسان لا يستطيع أن يحصي الذين لم يلتق بهم.. ولا البيوت التي لم يسكنها.. ولا الأعوام التي لم يضطر إلى قضائها في إصلاح خطأ لم يرتكبه.
وربما لهذا نسيء أحيانا قراءة ما جرى لنا.. نضع علامة الخسارة أمام واقعة لم تكتمل بعد.. ونمنح بعض المكاسب شهادة حسن سلوك مبكرة.. ثم نكتشف بعد أن تتبدل مواقعنا من الحكاية أن الأشياء لا تحتفظ دائما بالصفة التي منحناها إياها عند وقوعها.. وأن في العمر حوادث لا يمكن تسميتها إلا بعد أن يفقد أصحابها حق الاعتراض على أسمائها.
وكان أحد الذين أعادتهم اليابسة إلى البحر قد جلس عند انحسار المد.. لا يبعد عن الماء إلا بمقدار ما تسمح به موجة قصيرة قبل أن تبلل حذاءه.. وضع إلى جواره معطفا ثقل جيبه بمفاتيح لم تعد تفتح إلا بيوتا تغير ساكنوها.. وراح يرسم بإصبعه أرقاما صغيرة.. يضع إلى جانب بعضها خطوطا.. ويحيط بعضها بدوائر.. ثم يتوقف طويلا عند رقم لا يكمله.. كأنه يخشى أن تمنحه الكتابة صفة الحقيقة بعد أن أمضى سنوات يقنع نفسه بأنه لم يكن سوى احتمال عابر.
تمر موجة قصيرة.. تبلغ أطراف أصابعه.. وتنسحب وقد أخذت نصف الرقم.. فيعيد كتابته.. ثم تأتي أخرى فتفسد ترتيب الأعمدة.. وتترك في موضع الجمع قطعة من عشب البحر.. يلتقطها الرجل.. يقلبها بين أصابعه.. ويتأمل خيوطها الدقيقة وقد علقت بها حبيبات الرمل.. ثم يعيدها إلى الماء.. ويواصل الحساب بإصبع ما زالت رطوبته تفسد حواف الأرقام كلما حاول إحكام رسمها.
لم يكن قد جاء ليطلب من البحر أن يسامحه.. ولا ليحمله ما عجز عن حمله.. كان قد تعب من وظيفة الحارس الذي يفتح المخازن كل صباح ليتأكد من أن الأشياء المفقودة ما زالت مفقودة.. ومن عادة مراجعة الأبواب التي أغلقت كأن الأقفال قد تعيد النظر في قراراتها إذا طال وقوفه أمامها.. ومن ذلك الإخلاص الغريب الذي يجعل الإنسان آخر من يغادر حياة غادرها جميع أصحابها.
وحين نهض.. وجد عند موضع الحساب حصاة ملساء.. رمادية تتخللها عروق بيضاء دقيقة.. وقد ترك انحسار الماء على سطحها لمعانا يشبه لمعان المفاتيح القديمة بعد طول الاستعمال.. انحنى والتقطها.. ومسح عنها الرمل بإبهامه.. وأدارها بين إصبعين.. ثم أدخلها في جيب معطفه الذي كان قد جاء في ذلك الصباح عازما على إفراغه.
ومضى بمحاذاة الماء.. وكلما خطا اصطدمت الحصاة بمفاتيحه.. فأصدرت صوتا صغيرا لم يكن في حسابه.. وحين بلغ الطريق المعبّد.. أخرجها من جيبه.. وتأمل عروقها البيضاء.. ثم أعادها إلى موضعها بين المفاتيح.
لم يكن يعرف لماذا اختارها من بين آلاف الحصى.. ولا لماذا احتفظ بها بعدما أمضى الصباح كله يراجع الأشياء التي كان عليه أن يتخلص منها.
وكان البحر من ورائه يعيد ترتيب الرمل فوق الأرقام التي محاها.
غير أن الرجل للمرة الأولى لم يلتفت ليتأكد من نتيجة الحساب.