
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى القنوات الحديثة لاكتشاف الأدب وتبادل التجارب القرائية، ويبرز مجتمع «بوك توك» (BookTok) على منصة تيك توك بوصفه مساحة تتيح للقراء الشباب التعرف إلى روايات وكتّاب من ثقافات مختلفة. ولا تقتصر أهمية هذه الظاهرة على الترويج للكتب، بل تمتدُّ إلى إمكانية الإسهام في انتقال الأعمال الأدبية بين الأسواق، وإعادة تداول بعض العناوين، وفتح نقاشات حول العلاقة بين الأدب المحلي والجمهور العالمي.
من الشاشة القصيرة إلى الأدب العابر للثقافات
قد تدفع مقاطع الفيديو القصيرة بعض المتابعين إلى اكتشاف روايات لم يسمعوا بها من قبل، ثم البحث عن ترجماتها أو مناقشتها مع قرَّاء من بلدان أخرى. وبهذا المعنى، يوفِّر “بوك توك” قناة إضافيَّة للتعريف بالأدب العالمي، إلى جانب المكتبات والمعارض والمراجعات النقدية والمؤسسات الثقافية.
وتكتسب هذه الإمكانية أهمية خاصة للأعمال التي تعبِّر عن تجارب إنسانية مشتركة، مثل الحب والفقد والهوية والصراع الاجتماعي. ومع ذلك، فإن انتقال الرواية إلى جمهور جديد لا يعتمد على التفاعل الرقمي وحده، بل يرتبط أيضاً بتوافر الترجمة وجودتها، وسهولة الحصول على الكتاب، ومدى قرب موضوعاته من القرَّاء في ثقافات مختلفة.
اقتصاد الانتباه وتداول الكتب عالمياً
قد تسهم التوصيات الرقمية في زيادة الاهتمام ببعض الروايات، كما حدث مع أعمال الكاتبة كولين هوفر، ومنها «It Ends with Us»، التي اكتسبت حضوراً ملحوظاً بين القرَّاء الشباب. ويبيِّن هذا المثال كيف يمكن للتفاعل الرقمي أن يتقاطع مع التسويق التقليدي في توسيع جمهور كتاب معين، من دون اختزال نجاحه في تأثير منصة واحدة.
وتتيح هذه البيئة للقرَّاء المشاركة في تداول الكتب بدل الاكتفاء بتلقي اختيارات الناشرين. غير أنَّ فرص الظهور ليست متساوية بين الآداب؛ فالأعمال المكتوبة بلغات واسعة الانتشار قد تتمتَّع بميِّزة في الوصول العالمي، بينما تحتاج أعمال أخرى إلى جهود ترجمة وتوزيع وتقديم ثقافي حتى تجد طريقها إلى جمهور أوسع.
الذائقة الشبابية وتنوع الآداب
تلقى الفانتازيا الرومانسية والروايات الشبابية والأعمال التي تتناول العلاقات والصحة النفسية اهتماماً في مجتمعات القراءة الرقمية. وقد تشجِّع هذه الاهتمامات بعض القرَّاء على استكشاف أنواع أدبية أخرى، بما فيها الروايات الكلاسيكية أو الأعمال المترجمة التي تتناول قضايا قريبة من تجاربهم.
وتتيح هذه الإمكانية الالتفات إلى الأدب العربي أيضاً، ومن أمثلته رواية «فرانكشتاين في بغداد» للروائي العراقي أحمد سعداوي، التي تُرجمت إلى الإنجليزية وحظيت باهتمام خارج بيئتها الأصلية. وتقدم الرواية، بما تتناوله من آثار الحرب والعنف وتفكك المجتمع، مادة يمكن أن تثير نقاشاً لدى قرَّاء من ثقافات مختلفة. ولا يعني ذلك أن انتشارها تحقّق بفعل “بوك توك”، بل إنها مثال على قدرة الترجمة والتداول الثقافي على نقل الرواية العربية إلى جمهور عالمي، وعلى ما يمكن للمنصات الرقمية أن تتيحه من فرص إضافية للتعريف بها.
لكن التشابه في الموضوعات لا يلغي خصوصية السياقات الثقافية. فالرواية التي تتناول الأسرة أو الهوية في مجتمع معين تحمل تفاصيل لغوية واجتماعية قد لا تنتقل كاملة عبر الترجمة أو المقاطع المختصرة. ومن هنا تبرز أهمية النقد والترجمة في مساعدة القراء على فهم العمل ضمن سياقه، لا الاكتفاء بالانطباعات السريعة عنه.
صناعة النشر بين الفرص والتحديات
قد يشجِّع الاهتمام الرقمي الناشرين على إعادة طباعة بعض العناوين، أو إصدار طبعات خاصة، أو دراسة إمكانية ترجمة أعمال تحظى بتفاعل خارج أسواقها الأصلية. كما يمكن أن يمنح الكتاب المستقلين فرصة إضافية للتواصل مع قراء جدد. ومع ذلك، لا يضمن الانتشار الرقمي انتقال الكتاب إلى أسواق أخرى أو تحقيق مبيعات مستدامة، إذ تظل حقوق النشر وتكاليف الترجمة والتوزيع عوامل مؤثرة.
وفي المقابل، يثير التركيز على الكتب الرائجة تساؤلات حول احتمال تهميش أعمال مهمة لا تحظى بالظهور الخوارزمي، أو تغليب الجاذبية التسويقية على القيمة الأدبية.
الأدب العالمي في عصر المنصات الرقمية
يمكن النظر إلى “بوك توك” بوصفه وسيطاً إضافياً في تداول الأدب العالمي، لا بديلاً عن المؤسسات الثقافية أو النقد الأدبي. وتتوقف فائدته على قدرته على إثارة الفضول تجاه أعمال متنوعة، وعلى استعداد الناشرين والمكتبات للاستثمار في الترجمة والتعريف بآداب أقل حضوراً.
وهكذا، قد يفتح التفاعل الرقمي مسارات جديدة أمام الأدب لعبور الحدود، لكنه يحتاج إلى الترجمة والتوزيع والحوار النقدي كي يتحول الاهتمام العابر إلى معرفة أدبية أعمق. فالأدب العالمي لا يتشكَّل بمجرد انتشار الكتب، بل أيضاً بما تتيحه من لقاء بين الثقافات وتبادل للتجارب الإنسانية.
بقلم: ماجد القيسي