
دخل صابر البيت وعلى وجهه تلك الابتسامة التي لطالما كانت الدّليل على أنّه شخص مرح… خلع حذاءه ليرتدي الخفّ وهو يحرّك حاملة المفاتيح بقوّة لتصدر شكشكة مسموعة. كان يفعل ذلك – كعادته – ليخبر ميلونا أنّه وصل فتأتي لاستقباله.
تقدّم صابر نحو غرفة المعيشة و هو يواصل العبث بحاملة المفاتيح لكنّ ميلونا لم تظهر!
سأل نفسه باستياء: هل تلك الصّغيرة مازالت غاضبة منّي؟!
ثمّ أجاب كمن يرجو أن يدفع قلقه: لا أعتقد؛ هي، حتما، نائمة في مكان ما ولم تسمع صوت المفاتيح…
دخل غرفة المعيشة فوجد زوجته تجلس هناك – في العتمة – وتقلّب في هاتفها.
– مرحبا بومتي؛ كيف حالك؟
سأل وقد ألحق السؤال بضحكة خفيفة.
رفعت حنان رأسها ببطء نحوه وردّت بنبرة مستهزئة:
– مرحيا بروح البومة؛ أنا بخير وأنت كيفك؟
ودون أن تنتظر منه إجابة قالت وخي تعود للتقليب في هاتفها:
-العشاء على طاولة المطبخ
هنا سأل صابر بنوع من الجديّة:
-أين ميلونا؟
فردّت حنان بلامبالاة:
-لم أرها اليوم.
غادر صابر الغرفة وو يسأل نفسه: هل يعقل أنّها غادرت البيت لأنّني قمت بتقريعها هذا الصّباح؟!
بعد نصف ساعة – احتاجها للاستحمام وتغيير ملابس – كان صابر يجلس إلى طاولة المطبخ ويتناول العشاء. كان يأكل ببطء وهو يتعمّد احداث قرقعة بالملعقة على الصحن وينادي:
– بسسسسسس بسسسسسسس
– ميلونا.. أنا هنا.. ميمي
في العادة، ما كانت ميلونا لتفوّت فرصة التواجد مع صابر في المطبخ خاصّة حين تكون غاضبة منه فهذا سيجعله يحاول مراضاتها بملاعبتها أكثر من العادة وباطعامها الأشياء التي تحبّها ولكنّ هذه المرّة لم تظهر! وهذا جعل القلق يتسرّب إليه…
بمجرّد أن انتهى صابر من تناول العشاء وغسل الأطباق كان تطبيق “الآذان” على هاتفه قد أعلن حضور صلاة العشاء فأسرّ في نفسه: ما دمت على وضوء سأصلّي اولا ثم سأخرج للبحث عن ميلونا فربما تكو في الحديقة أو الكاراج…
توجّه صابر نحو غرفة كانت زاوية منها مخصّصة كمُصلّى بينما باقي المساحة كانت تحوي طاولة يتّخذها صابر كمكتب عليها حاسوب وأريكة وهناك مكتبة هي أقرب لخزانة فيها كتب عامة و مراجع وصناديق ملفّات خاصّة بعمل صابر…
كانت الخزانة قبالة الباب وكان فوق الخزانة مزهريّة كبيرة وكؤوس تحصّلت عليها حنان في مسابقات التنمية البشريّة بصفتها “كوتش”…
لاحظ صابر أنّ باب الغرفة موارب وهذا جعله بشعر ببعض الاستياء من حنان لأنّها لا تولي أشياءه نفس الاهتمام الذي توليه لأشيائها.
دفع الباب وتحسسّ مكان مفتاح تشغيل النّور وبمجرّد أن أضاءت الغرفة بانت له الفوضى التي كانت تعمّ المكان!
كابل الأنترنات القادم من الخارج والذي تمّ تمريره فوق الخزانة يتأرجح على باب الخزانة والمزهريّة الكبير و اغلب الأشياء الأخرى التي كانت فوقها كانت على الأرض!
غاضبا، قال صابر بصوت مسموع:
– من يجرؤ على العبث هنا؟
ثمّ تقدّم نحو تلك الفوضى ليُصدَمَ بما رأى !!
ركبتا صابر كانتا عاجزتين عن حمله ممّا دعاه للارتماء والجلوس على الأريكة. جلس يحملق في المزهريّة المكسورة عاجزا عن الحركة؛ ربّما لم يكن يرمش حتّى!
بعد دقيقة احدة – أو أقل- صار المشهد ضبابيّا! يا إلاهي! عيناه تمتلئان بالدّموع! ثمّ صار بكاء! إنّه عاجز عن الحركة؛ عاجز حتّى عن مسح دموعه!
البكاء صار نشيجا مصحوبا بأنين!
صابر الرجل المرح الذي تجاوز الثلاثين من العمر بسنتين يبكي ،الآن، كطفل! آخر مرّة بكى فيها صابر كانت حين كان عمره نسع عشرة سنة يوم طرده أبوه من البيت ويومها أقسم أن لا يبكي أبدا…
كأنّ صابر بين حجرين يضغطان على جسده؛ سخونة تتسرّب من قدميه لتعمّ كلّ جسده وصابر مازال عاجزا عن الحركة وعيناه الجاحظتان تحدّقان في جثّة ميلونا الهامدة تحت المزهريّة الكبيرة المكسورة…
إنّه يريد أن يحمل جثّة ميلونا؛ يريد أن يُثبت أنّ كلّ ما يراه الآن خطأ! فقط يبكي أو هكذا يظن!
كيف ومتي؟ هو لا يدري؛ فقط يرى حنان تقف أمامه و تحاول هزّ جسده المتصلّب وتصرخ مذعورة:
– صابر.. صابر.. لِمَ تصرخ؟ ما بك؟ أجبني
يشير إلى جثّة القطّة ميلونا ويصرخ ل قد ماتت
– صابر تحرّك.. صابر تكلّم .. صابر توقّف عن الصّراخ
بنفس الذّعر تحاول حنانْ فهم ما يجري و كبح صراخ صابر…
عند باب الغرفة، تقف مريم بنت الحاج عمران – والدة صابر – بكامل هدوئها و تحمل نفس تلك الابتسامة التي عاشت بها؛ يراها صابر فيصرخ:
– أمّي، أخيرا عدتِ؟
-أمّي مذ كان عمري خمس سنوات وانا انتظر عودتك من السماء
تواصل حنان صراخها في وجهه بعد ان اكتشفت جثّة القطّة:
-توقّف عن الصّراخ.. هيّا فورا
تضيف بغضب
-كلّ هذا من أجل قطّة؟
يزيد صراخ صابر وهو يرى صالحة بنت عبداللّطيف وهي تدفع أمّه وتخرجها من الباب! صالحة بجسمها الممتلئ – زوجة أب صابر – تقف عند الباب وهي تحمل في يدها الحزام الجلديّ القديم الذي كان يشدّ به والده عبدالجبار بناطيله وتضع سبابتها على شفتيها وتشير له ان يصمتْ…
مذعورا، يحاول صابر الاختباء منها ولكنّه لا يجد مكان يهرب إليه بينما صالحة تتقدّم نحوه وهي تلوّح بالحزام وتأمره بالصّمتْ…
حنان تقف عاجزة عن اسكات صابر. صراخه المرتفع جدّا يجعلها تصاب بنوبة جنون وتصرخ فيه:
-توقف الآن.. فضحتنا في الحي.. هيّاااااا توقّف.
تضيف باستهزاء وتنمّر
-تبا لك، كلّ هذا من أجل قطّة؟ لو كنتُ أنا القتيلة لما بكيت عليّ هكذا
من وراء المكتب، تندفع سلوى –أخت صابر- وتحاول دفع صالحة بعيدا… كانت ترتدي نفس الملابس التي كانت ترتديها يوم طردها عبد الجبار من البيت لأنّها شهرت سكينا في وجه صالحة وهي تقوم بتعنيف صابر…
– أين كنت كلّ هذه السناوات يا قلب أخيك؟ لقد بحثت عنك طويلا
بصوت متقطّع تلفّظ صابر بهذه الجمل وسلوى تمسك وجهه بين يديها الصغيرتين و تبتسم… ربّما، سمعها تقول له:
-أنا هنا يا صغيري، لا تخف؛ سأحميك؛ لن افيب مجدّدا
يتعالى صراخ صابر أكثر ويبكي أكثر فيجنّ جنون حنان التي فقدت السيطرة على الموقف تماما وتقوم بصفعه!
في هذه اللّحظة، تركض أحلام نحو صابر… تصل إليه أخيرا؛ تعانقه؛ تضمّه بقوة إليها…
يتشمّمها حرفيا كأنّه يبحث في رائحتها عن أيانه الأولى؛ تلك الأيام حين كان أكبر أحلامه أن تبتسم في وجهه أحلام!
كان مراهقا فقيرا عندما احبّ أحلام ابنة أكبر تاجر معدات منزليّة في المدينة! لم يجرؤ، يوما، أن يخبرها أنّه يحبّها؛ ليس، فقط، لأنّه فقير ولكن لأنّ الجميع يعلمون أنّه تجمعها علاقة حبّ مع فائز؛ فائز كان اثرب صديق لصابر. في الحقيقة، لا احد كان يعلم أنّ صابر يعشق ألام إلّا قبر مريم بنت الحاج عمران.
عطر أحلام ودفء جسدها الغضّ جعلا صابر يهدأ بعد وقت قليل فتمكّن، أخيرا، من حمل جثّة ميلونا وغادر بها البيت…