لا تجعلوا العرب وقودًا لحروب الآخرين .. من يربح من استنزاف المنطقة؟ بقلم: اللواء دكتور محمد الدسوقي
خبير الشئون الاستراتيجية والعلوم السياسية
في لحظات التصعيد الكبرى، لا يكمن الخطر فقط في اتساع نطاق المواجهات العسكرية،
بل في أن تجد الدول نفسها داخل حرب لم تحدد أهدافها، ولم تختر توقيتها، ولا تملك قرار إنهائها. ومن هنا يأتي التحذير من الانزلاق العربي إلى الصراعات المتشابكة في المنطقة؛
فبين المواجهة مع إيران، والتصعيد المرتبط بالحوثيين والجماعات المسلحة، وحسابات الولايات المتحدة والقوى الغربية وإسرائيل، يصبح الحفاظ على استقلال القرار العربي ضرورة لحماية الأوطان ومقدراتها ومستقبل شعوبها.
وفي تقديري، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي انخراط عسكري واسع هو: ما المصلحة العربية التي نريد حمايتها؟ وما حدود التحرك المطلوب لتحقيق ذلك؟ وماذا يحدث إذا امتدت المواجهة، وتغيرت أهدافها، وتحولت من رد تهديد إلى حرب استنزاف طويلة؟
هذه الأسئلة أساس التفكير الاستراتيجي المسئول؛ فالقوة الحقيقية تشمل القدرة على الردع، وحسن اختيار المعركة، والتحكم في التصعيد، وربط استخدام القوة بهدف سياسي يمكن تحقيقه.
وقد تكون أخطر نتائج الحرب أن تحقق الدولة نجاحًا عسكريًا محدودًا، بينما تتورط في مسار يستنزف اقتصادها ويعطل تنميتها ويقيّد قرارها لسنوات.
الدفاع عن الدول العربية وحدود الانخراط:
لا خلاف على حق الدول العربية في حماية أراضيها ومواطنيها ومنشآتها وممراتها البحرية،
ولا يجوز التساهل مع الاعتداء عليها، أيًّا كان مصدرها أو المبرر المعلن لها. لكن الدفاع
عن الأمن الوطني يحتاج إلى تحديد واضح للفارق بين مواجهة خطر مباشر، والانخراط
في مشروع إقليمي أوسع تتولى أطراف أخرى صياغة أهدافه.
فقد تبدأ المشاركة بإجراءات لحماية الملاحة أو اعتراض تهديد عسكري، ثم تتسع لتشمل ضربات متبادلة، واستهدافًا للبنية الأساسية، وضغوطًا اقتصادية، والتزامات أمنية يصعب التراجع عنها. وهنا يظهر خطر الاستدراج التدريجي؛ إذ يصبح كل رد مبررًا لرد جديد، بينما يبتعد الحل السياسي وتتضاعف تكلفة الخروج من المواجهة.
ولهذا، فإن كل مشاركة تحتاج إلى هدف محدد، ونطاق معلوم، ومعايير لقياس النجاح، وتصور واضح لإنهاء المهمة. أما الدخول تحت عناوين فضفاضة، مثل “إعادة تشكيل المنطقة”
أو “القضاء الكامل على التهديد”، فقد يفتح الباب أمام التزامات تتجاوز مصالح الدول وقدراتها.
والدولة التي تواجه اعتداءً تحتاج إلى حماية نفسها، لكنها تحتاج أيضًا إلى منع المعتدي من التحكم في توقيت تحركاتها وحجم إنفاقها واتجاه أولوياتها؛ فهذه إحدى صور الاستنزاف التي ينبغي الانتباه إليها.
إيران والحوثيون .. فهم التهديد وحسابات المواجهة:
التعامل مع إيران يتطلب قراءة متعددة الأبعاد؛ تشمل حساباتها الأمنية، وطموحاتها الإقليمية، وأدوات نفوذها، وأثر سياساتها على الدول العربية. ولا ينبغي أن يؤدي رفض الاعتداءات والتدخلات إلى افتراض أن الحرب الشاملة ستنتج تلقائيًا منطقة أكثر استقرارًا.
فإضعاف قدرة طرف على الهجوم قد يحقق مكسبًا عسكريًا وأمنيًا، لكن اتساع الفوضى أو انهيار مؤسسات دولة كبيرة قد ينتج تهديدات جديدة. لذا يجب أن يكون الهدف العربي هو وقف السلوك الذي يهدد الأمن، وتوفير ضمانات قابلة للتحقق، وحماية سيادة الدول، مع حساب النتائج المحتملة لكل وسيلة مستخدمة.
وبالمثل، فإن قراءة الحوثيين من خلال علاقتهم بإيران وحدها لا تكفي لفهم قراراتهم. فهناك أيضًا حسابات يمنية داخلية، وصراع على السلطة والموارد، ومحاولات لتعزيز النفوذ وفرض شروط التفاوض. والارتباط بقوة إقليمية لا يلغي وجود مصالح محلية تؤثر في توقيت التصعيد وحدوده.
والنتيجة الاستراتيجية لهذا الفهم أن خفض التصعيد يحتاج إلى معالجة مصادر الدعم والتسليح، وحماية الملاحة، ودعم مسار سياسي يمني، ومنع استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد الجوار. أما الاكتفاء بالمواجهة العسكرية دون تصور للتسوية، فقد يؤجل التهديد أو ينقله
إلى صورة أخرى.
السعودية .. استنزاف الأمن والاقتصاد ومشروع التنمية:
تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها إحدى الدول العربية التي تتعرض لضغوط استنزاف مباشرة؛ فالاعتداءات الحوثية والتهديدات الموجهة إلى المطارات والمنشآت النفطية والملاحة تفرض أعباء متزايدة على الدفاع وحماية البنية الأساسية. وقد تناولت تقارير حديثة استمرار هذه التهديدات، وتأثير الهجمات في حركة الطيران والضغوط الواقعة على وسائل الاعتراض الدفاعي.
ولا تقتصر خطورة الاستنزاف على الخسائر المباشرة أو تكلفة اعتراض الصواريخ والمسيّرات؛ بل تمتد إلى إبقاء الدولة في حالة تأهب مستمرة، ورفع تكلفة حماية المنشآت، وإرباك التخطيط الاقتصادي. فالهجمات المتكررة تستطيع فرض تكلفة مرتفعة حتى عندما يفشل معظمها
في الوصول لأهدافه، لأن الدفاع يتطلب الجاهزية والإنفاق على مدار الوقت.
ومن منظور استراتيجي، فإن استمرار هذا الضغط يهدد بتحويل جزء متزايد من الموارد والاهتمام بعيدًا عن أولويات التنمية. فمشروع التحول الاقتصادي السعودي، وتنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمارات والسياحة، يحتاج إلى بيئة مستقرة يمكن توقع مسارها؛ وكلما طالت المواجهة، ازدادت صعوبة الحفاظ على هذه البيئة.
ولهذا، فإن التضامن العربي مع السعودية وحماية أمنها ينبغي أن يقترنا برؤية تمنع تحويل الدفاع المشروع إلى حرب مفتوحة بلا نهاية سياسية واضحة. ويقتضي ذلك تعزيز قدراتها الدفاعية، وحماية المنشآت والملاحة، والضغط لوقف الاعتداءات، ودعم تسوية يمنية تمنع تجدد التهديد، مع الحفاظ على قدرة المملكة على مواصلة مشروعها التنموي.