كتاب وشعراء

الكتابة النسوية المستقلة: المعايير والتشكيل الفني.. بقلم الكاتب الكبير: ماجد القيسي

تعني الاستقلالية في الكتابة قدرة الكاتبة على اتخاذ قراراتها الفكرية والفنية بعيداً عن الإملاءات التي تفرضها المؤسسات أو الأعراف الاجتماعية أو التوقعات الأيديولوجية. ولا تعني هذه الاستقلالية الانفصال عن المجتمع، بل امتلاك حرية التعامل النقدي مع قضاياه، وتحويل التجربة الإنسانية إلى عمل أدبي تحكمه رؤيته الخاصة وأدواته الفنية.

ولا تُحدَّد الكتابة النسوية المستقلة بجنس المؤلفة وحده، ولا بمجرد حضور المرأة في النص، وإنما بقدرة العمل على إعادة النظر في تمثيلها وعلاقاتها بالسلطة والمجتمع والهوية. فالكتابة النسوية ليست قالباً واحداً، بل تجارب متعددة تتباين في رؤاها وأساليبها، وتلتقي في مساءلة الصور الجاهزة التي تحصر المرأة في أدوار محددة.

يمكن النظر إلى استقلالية الكتابة من خلال معايير مترابطة، أهمها حرية القرار الفكري، وخصوصية الاختيار الفني، وتعقيد الشخصيات والعلاقات، ومقاومة الإملاءات الخارجية. ولا تُستخدم هذه المعايير كأحكامٍ آليةٍ، بل أدوات تساعد على فهم كيفية تشكّل المعنى داخل النص، ومدى انسجام رؤيته مع بنيته السردية واللغوية.

تقدم رواية (امرأة عند نقطة الصفر) لنوال السعداوي مثالاً على العلاقة بين الصوت السردي والاستقلال الفكري. فحين تروي فردوس تجربتها بضمير المتكلم، تنتقل من موقع المرأة التي يتحدث الآخرون عنها إلى موقع الذات التي تروي حياتها وتفسرها. ويتجلى أثر هذا الاختيار في جملة من قبيل “كانوا يقولون عني: إنني مجنونة؛ لكنني كنت أعرف أنني لست كذلك”، حيث يكشف الصوت الأول عن فجوة بين الحكم الاجتماعي وتفسير الذات لنفسها. ولا تقتصر أهمية هذا الاختيار على إعلان الرفض، بل تتجلى في كشف العلاقة بين التجربة الفردية وشبكات السلطة الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يجعل تحليل الصوت السردي وطريقة بناء الحكاية ضرورياً لفهم الأثر الفني.

وفي رواية (الطنطورية) لرضوى عاشور، تتشكل الذاكرة الفلسطينية من خلال حياة رقية وتفاصيلها اليومية. فالبيت والأسرة والرحيل ليست عناصر خلفية، بل وسائل سردية تربط التجربة الشخصية بالتاريخ الجماعي. كما أن امتداد الحكاية عبر مراحل زمنية مختلفة يكشف تحولات الهوية والذاكرة، ويمنح الشخصيات وجوداً يتجاوز اختزالها في صورة الضحية. وتنبع قوة الرواية من تداخل الخاص والعام داخل البناء السردي.

أما فدوى طوقان في سيرتها (رحلة جبلية، رحلة صعبة)، فتعيد بناء تجربة تشكّل الذات الشاعرة في مواجهة القيود الاجتماعية والثقافية. وتتيح السيرة قراءة العلاقة بين التجربة الحياتية وتكوّن الصوت الإبداعي، مع الانتباه إلى الطريقة التي تختار بها الكاتبة أحداث حياتها وترتبها وتمنحها دلالاتها، لا إلى مجرد تسجيل الصعوبات التي واجهتها.

وتفتح المنصات الرقمية مجالاً إضافياً أمام الكتابة النسوية المستقلة، إذ تتيح النشر المباشر والوصول إلى قراء متنوعين وتقليل الاعتماد على بعض وسطاء النشر. غير أن هذا المجال لا يضمن الحرية تلقائياً؛ فضغوط الانتشار السريع وخوارزميات المنصات التي تكافئ التفاعل الآني قد تفرض أشكالاً جديدة من التوجيه، إذ تدفع الكاتبة إلى تكييف نصها وفق منطق القياس والتداول بدل منطق الكتابة. لذلك ينبغي التمييز بين امتلاك وسيلة للنشر وامتلاك القرار الإبداعي.

إن استقلالية الكتابة النسوية لا تُقاس بموضوع النص وحده، ولا بموقفه المعلن، بل بالطريقة التي يحوّل بها التجربة إلى رؤية وبناء فنيين. ويبقى السؤال النقدي مفتوحاً: إلى أي حد تستطيع الكاتبة أن تمنح شخصياتها وتعقيداتها مساحة تتجاوز الأحكام المسبقة، وتترك للنص أن يقول أكثر مما تقرره الشعارات؟

ماجد القيسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى