كتاب وشعراء

بَدَايَتِي الشِّعْرِيَّةُ: حِكَايَةُ مَوْهِبَةٍ عَادَتْ مِنْ جَدِيدٍ.. بقلم الشاعر: عبد السلام عبد المنعم أحمد

منذ نعومة أظفاري، كان الشعر يسكن وجداني، وكانت الكلمات تتسلل إلى قلمي دون أن أدرك أن بداخلي موهبة تستحق الرعاية والاهتمام، وأن الموهبة، مهما كانت فطرية، تحتاج إلى من يرعاها وينميها ويصقلها حتى تبلغ غايتها.
لكنني في تلك المرحلة لم أكن أدرك قيمة ما أملك، ولم أكن أعرف أن الموهبة أمانة، وأن إهمالها قد يجعلها تغيب عن صاحبها سنوات طويلة. فتركت الكتابة، ومضت الأيام والسنوات، وبقي الشعر حبيس قلبي، كجمرٍ خافت تحت الرماد، ينتظر لحظة تشعل فيه الحياة من جديد.
حتى جاء يومٌ كان له أثر عميق في نفسي، فأيقظ تلك الموهبة من سباتها، وأعاد إليَّ شغفي القديم. عدت إلى قلمي، وبدأت أكتبُ وأكتب، حتى وجدت نفسي أمام قصائد كثيرة، ومشاعر تراكمت في داخلي عبر سنوات الصمت.
في البداية، كنت أكتب لنفسي، ولم أكن أُطلع أحداً على شعري، فقد كانت كلماتي عالمًا خاصًّا ألوذ به، وأجد فيه متنفسًا لما يختلج في صدري.
ومع مرور الوقت، أدركت أن الموهبة لا ينبغي أن تظل حبيسة الأوراق، وأن الشعر رسالة لا تكتمل إلا حين تصل إلى قلوب الآخرين. فقررت أن أخرج بكلماتي إلى الناس، وتوجهت إلى قصر الثقافة، وبدأت أعرض ما أكتب من قصائد. وهناك وجدت من يستحسن شعري، ويثني على ما أقدم، فكانت تلك الكلمات دافعًا لي للاستمرار، ومنحتني ثقة أكبر في قلمي.
ومضيت في طريقي فترة من الزمن، حتى بدأت أواجه جانبًا آخر لم أكن أتوقعه؛ فقد وجدت بين بعض الشعراء القدامى مَن لم يتقبل ظهوري، وشعرت أن الغيرة والحسد قد تحولا إلى عداء وانتقاص مما أكتب.
وفي يوم من الأيام، ذهبت إلى أحد الأندية الأدبية، وكان من بين المسؤولين فيه أحد الشعراء، فألقيت قصيدتي أمام الحاضرين، فإذا به يعترض على ما أكتب، ويقلل من شأن شعري.
كانت تلك اللحظة قاسية على نفسي، فقد ذهبت أحمل قصيدتي وأملي في أن أجد آذانًا تسمع، وعقولًا تناقش، وقلوبًا تقدر الكلمة، فإذا بي أعود مثقلًا بالانكسار.
تأثرت كثيرًا، وابتعدت عن الكتابة مرة أخرى، وكأنني أغلقت بابًا كنت قد فتحته بشغف بعد سنوات من الغياب.
لكن الموهبة الحقيقية لا تموت وإن غابت، ولا تنطفئ وإن خفت نورها؛ فقد بقي الشعر في داخلي، ينتظر فرصة أخرى للظهور.
وها أنا أعود اليوم للمرة الثالثة، ولكنني أعود بروح مختلفة؛ أكثر خبرة، وأعمق تجربة، وأكثر ثقة بقلمي وبما أكتب.
لقد علمتني السنوات أن طريق الإبداع ليس مفروشًا بالثناء، وأن إعجاب الناس لا ينبغي أن يكون مقياسًا وحيدًا لقيمة ما نكتب، كما أن انتقاد الآخرين لا ينبغي أن يكون سببًا في دفن مواهبنا.
أدركت أن الشاعر لا يولد من جديد مع كل قصيدة فحسب، بل قد يولد من جديد بعد كل انكسار، وأن الكلمة الصادقة تستحق أن تُكتب، حتى وإن لم تجد في بدايتها من ينصفها.
واليوم، لا أعود لأثبت لأحد أنني شاعر، ولا لأدخل في منافسة مع أحد، وإنما أعود لأن الشعر جزء من روحي، ولأن القلم الذي صمت طويلًا قد آن له أن يتكلم.
هذه حكايتي مع الشعر؛ بدأت بموهبة لم أدرك قيمتها، ثم غابت سنوات، وعادت، ثم انكسرت، وها هي تعود من جديد أكثر نضجًا وثقة.
والحمد لله الذي أعاد إليَّ شغفي، ومنحني القدرة على مواصلة الطريق.
فما دام في القلب نبض، وفي الروح إحساس، وفي اليد قلم، فليس للأحلام موعد أخير.

بقلم: عبد السلام عبد المنعم أحمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى