رؤي ومقالات

د. عبدالرحيم جاموس يكتب:الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية وتداعياتها على مستقبل نتنياهو وترامب والحرب في الشرق الأوسط

قراءة في التحولات السياسية واحتمالات إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية …

لم تكن الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأمريكية مجرد استحقاقين انتخابيين منفصلين، بل جاء تزامنهما في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتداخل فيها الأزمات السياسية الداخلية مع احتمالات الحرب والتسوية، وتتقاطع فيها حسابات بقاء القيادات السياسية مع مستقبل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وانعكاساتها على أمن المنطقة واستقرارها.

وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها تضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام واقع سياسي جديد، يفرض عليهما إعادة حساباتهما، ويحد من هامش المناورة المتاح أمامهما، وإن بدرجات وأشكال مختلفة. ومن هنا تبرز ضرورة قراءة دلالات هذه التحولات، ليس فقط على مستقبل الحكومتين، وإنما على مسار الصراع الإقليمي ومستقبل القضية الفلسطينية.

أولاً: نتنياهو أمام احتمال خسارة الحكم وتشكيل حكومة بديلة

أفرزت الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في السابع والعشرين من أكتوبر 2026 معادلة برلمانية لافتة؛ فقد حصل المعسكر المؤيد لنتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لمعسكر المعارضة الذي يقوده غادي آيزنكوت، فيما حققت الأحزاب العربية الفلسطينية 19 مقعداً، وهو تمثيل تاريخي غير مسبوق في الكنيست. وبذلك لم يتمكن أي من المعسكرين من الحصول على الأغلبية المطلوبة، وهي 61 مقعداً من أصل 120.

وتعني هذه النتيجة أن نتنياهو، رغم احتفاظ حزبه الليكود بأكبر عدد من المقاعد، لم يعد يمتلك الأغلبية البرلمانية التي تضمن استمرار حكومته بالصيغة السابقة. فقد خسر معسكره عدداً مهماً من مقاعده، وأصبح مستقبله السياسي مرهوناً بقدرته على إعادة تركيب ائتلاف حكومي جديد، أو استقطاب حلفاء إضافيين.

في المقابل، تعززت فرص غادي آيزنكوت في تشكيل الحكومة، بعدما حصل على تأييد 67 عضواً في الكنيست وفق التوصيات المقدمة إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ، مقابل 46 عضواً أوصوا بنتنياهو. وهذه النتيجة تضع آيزنكوت في موقع متقدم لتلقي التكليف بتشكيل الحكومة، لكنها لا تعني بالضرورة ضمان نجاحه؛ إذ إن تشكيل ائتلاف متماسك يتطلب تفاهمات سياسية تتجاوز مجرد التوصيات البرلمانية.

وتبرز هنا أهمية المقاعد العربية التسعة عشر، التي باتت تمتلك وزناً حاسماً في الحسابات البرلمانية، رغم استمرار تحفظ قوى إسرائيلية أساسية على التعاون معها في تشكيل الحكومة. وهذا يكشف مفارقة سياسية مهمة: فالأحزاب العربية أصبحت رقماً مؤثراً في تحديد مستقبل الحكم، بينما لا تزال قطاعات واسعة من المؤسسة السياسية الإسرائيلية ترفض التعامل معها بوصفها شريكاً سياسياً متكافئاً.

وعليه، فإن الاحتمالات تتراوح بين نجاح المعارضة في تشكيل حكومة بديلة، أو تعثر المفاوضات وبقاء حالة الانسداد السياسي، أو العودة إلى انتخابات جديدة. أما استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة خلال المرحلة الانتقالية، بصفته رئيساً لحكومة تصريف الأعمال، فلا يعني أنه تجاوز أزمته أو ضمن استعادة سلطته السابقة.

والأهم أن هذه النتائج تعكس أزمة أعمق من مجرد خسارة مقاعد، تتصل بتراجع الثقة بالقيادة التي أدارت الحروب والتصعيد الأمني والسياسات الداخلية، وبمدى قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إنتاج قيادة جديدة تتعامل مع أزماته المتراكمة.

ثانياً: ترامب أمام كونغرس معارض وتراجع هامش المناورة

على الجانب الأمريكي، جاءت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر 2026 لتشكل تحولاً سياسياً مهماً، بعدما استعاد الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، منهياً بذلك الأغلبية الجمهورية التي كانت توفر لإدارة ترامب غطاءً تشريعياً وسياسياً واسعاً.

وهذا يعني أن ترامب سيدخل النصف الثاني من ولايته الرئاسية في مواجهة كونغرس تسيطر عليه المعارضة، الأمر الذي سيجعل تمرير برنامجه السياسي والاقتصادي أكثر صعوبة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الرقابة والمساءلة والتحقيقات البرلمانية.

ويمتلك الديمقراطيون أدوات دستورية مؤثرة، تشمل تشكيل لجان التحقيق، ومراجعة الإنفاق والاعتمادات المالية، والتأثير في التشريعات والتعيينات، ومساءلة الإدارة عن قراراتها العسكرية والخارجية، بما في ذلك كلفة الحرب على إيران وأهدافها وتداعياتها الاقتصادية والاستراتيجية.

غير أن انتقال السيطرة إلى الديمقراطيين لن يتم بصورة فورية؛ إذ يستمر الكونغرس الحالي في ممارسة صلاحياته حتى الثالث من يناير 2027، موعد بدء الدورة الجديدة. كما أن خسارة الجمهوريين للأغلبية لا تعني انتهاء صلاحيات ترامب الدستورية، فهو لا يزال رئيساً ويتمتع بسلطات تنفيذية واسعة، بما فيها صلاحيات السياسة الخارجية والأمن القومي، فضلاً عن حق النقض الرئاسي.

لكن الفارق الجوهري أن قدرته على تمرير سياساته وتمويلها وحشد التأييد لها ستصبح أكثر تعقيداً، وسترتفع كلفتها السياسية. وقد يجد نفسه مضطراً إلى تقديم تنازلات أو إعادة النظر في بعض توجهاته، ولا سيما تلك التي ترتب أعباء اقتصادية وعسكرية على الولايات المتحدة.

داخلياً، ستنعكس هذه الخسارة على مستقبل الحزب الجمهوري نفسه، وعلى موقع ترامب داخله، مع اقتراب الاستعدادات للانتخابات الرئاسية لعام 2028. وفي المقابل، سيحاول الديمقراطيون توظيف أغلبيتهم الجديدة لإثبات قدرتهم على الرقابة وتقديم بدائل سياسية واقتصادية، بما يجعل العامين المقبلين مرحلة اختبار حقيقية للتوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

ثالثاً: تلاقي مأزق نتنياهو وترامب ومستقبل المواجهة مع إيران

هنا نصل إلى جوهر الترابط بين الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، وهو انعكاس التحولات الداخلية في واشنطن وتل أبيب على مستقبل المواجهة مع إيران وعلى مجمل التوازنات الإقليمية.

فنتنياهو الذي اعتاد الاستناد إلى الدعم الأمريكي الواسع لتوفير الغطاء السياسي والعسكري لسياساته، سيجد نفسه أمام إدارة أمريكية لا تزال بقيادة ترامب، لكنها أصبحت أكثر عرضة للضغوط الداخلية والرقابة التشريعية. وفي الوقت نفسه، فإن احتمال انتقال الحكم في إسرائيل إلى معسكر آيزنكوت يفتح الباب أمام مراجعة بعض السياسات التي ارتبطت بحكومة نتنياهو، ولا سيما إدارة المواجهات العسكرية وتحديد الأولويات الأمنية والسياسية.

وقد يفرض هذا التلاقي مراجعة متبادلة للحسابات؛ فترامب سيكون أكثر حساسية تجاه كلفة الانخراط في حرب طويلة، بينما ستجد أي حكومة إسرائيلية مقبلة نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم قدرتها على مواصلة المواجهات المفتوحة، في ظل تراجع هامش الدعم السياسي الأمريكي غير المشروط.

ويمكن تصور ثلاثة اتجاهات رئيسية لمسار المواجهة:

أولها، الاتجاه نحو التهدئة والتفاوض، إذا أدت الضغوط الداخلية الأمريكية والأزمات السياسية الإسرائيلية إلى تغليب الحلول الدبلوماسية، والبحث عن تفاهمات مرحلية بشأن الملف النووي الإيراني والصواريخ والضمانات الأمنية وترتيبات عدم الاعتداء. وقد يجد ترامب في ذلك فرصة لإظهار قدرته على تحقيق نتائج سياسية دون تحمل أعباء حرب إقليمية مفتوحة.

وثانيها، استمرار سياسة الضغط والمواجهات المحدودة، من خلال العقوبات والضغوط الاقتصادية والعمليات الأمنية والعسكرية المحسوبة، مع تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة. وهذا الاتجاه قد يكون الأكثر ملاءمة للأطراف التي تريد الاحتفاظ بأوراق الضغط دون تحمل تكاليف المواجهة المفتوحة، لكنه سيبقي المنطقة في حالة استنزاف وعدم استقرار.

أما ثالثها، فهو تجدد الحرب واتساع نطاق المواجهة، إذا تعثرت المفاوضات أو طرأت تطورات عسكرية وأمنية تدفع أحد الأطراف إلى التصعيد. ولا يمكن استبعاد هذا الاحتمال، لكنه سيكون أكثر كلفة على ترامب في ظل وجود كونغرس معارض، وعلى أي حكومة إسرائيلية مقبلة في ظل الانقسام الداخلي، كما ستكون انعكاساته خطيرة على أمن الخليج والممرات البحرية وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

ومن المهم التأكيد أن نتائج الانتخابات لا تحسم وحدها مسار المواجهة، لكنها تغير البيئة السياسية التي ستتخذ في ظلها القرارات، وترفع كلفة التصعيد، وتزيد الحاجة إلى حسابات أكثر واقعية.

رابعاً: انعكاسات التحولات على المنطقة العربية والقضية الفلسطينية

إن المنطقة العربية هي الأكثر تعرضاً لتداعيات أي تحول في مسار المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، سواء اتجهت نحو التسوية أو استمرت في الاستنزاف أو عادت إلى الحرب المفتوحة.

فاستمرار المواجهة يهدد أمن الخليج، ويعرض الممرات البحرية وإمدادات الطاقة لمخاطر كبيرة، ويستنزف الموارد الاقتصادية والعسكرية للدول العربية، ويحول المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

ومن هنا تبرز أهمية الدور العربي، وخصوصاً الدور السعودي والمصري، إلى جانب تركيا وباكستان، في دعم جهود الوساطة وخفض التصعيد، والعمل على صياغة تصور للأمن الإقليمي يقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، وحماية المصالح العربية، وإنهاء بؤر الصراع والاحتلال.

أما القضية الفلسطينية، فلا يجوز أن تتحول إلى ملف مؤجل أو ورقة تفاوضية في إطار التفاهمات الإقليمية. فالمشكلة الأساسية في المنطقة لا تختزل في المواجهة مع إيران، ولا يمكن تحقيق الاستقرار المستدام من خلال ترتيبات أمنية تتجاهل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة.

إن أي مراجعة أمريكية للسياسة الإقليمية ينبغي أن تقترن بمراجعة جادة للموقف من السياسات الإسرائيلية، وأن تنتقل من توفير الحماية السياسية والعسكرية غير المشروطة إلى ممارسة ضغط حقيقي لإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان والعدوان، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

فلا يمكن بناء سلام إقليمي مستدام بينما يستمر إنكار الحقوق الفلسطينية، ولا يمكن أن تكون التفاهمات الأمنية بديلاً عن معالجة جذور الصراع التاريخي والسياسي في المنطقة.

خامساً: إلى أين تتجه المنطقة؟ مراجعة استراتيجية أم إعادة إنتاج للأزمات؟

إن تزامن النتائج الانتخابية الأمريكية والإسرائيلية يضع المنطقة أمام مرحلة انتقالية قد تحمل فرصاً للتغيير، لكنها لا تضمن حدوثه تلقائياً.

ففي إسرائيل، أصبح استمرار نتنياهو في الحكم موضع شك جدي، وأصبح انتقال السلطة إلى المعارضة احتمالاً واقعياً، وإن كان نجاح ذلك مرهوناً بقدرة آيزنكوت على تشكيل ائتلاف حكومي متماسك. وفي الولايات المتحدة، لم يفقد ترامب سلطاته الرئاسية، لكنه فقد الغطاء التشريعي الذي كان يسهل تمرير سياساته، وأصبح مطالباً بالتعامل مع معارضة تمتلك أدوات مؤثرة في مراقبة إدارته والتأثير في خياراتها.

وقد يفرض التفاعل بين هذين التحولين مراجعة في إدارة الحرب مع إيران، ويحد من فرص التصعيد غير المحسوب، لكنه قد يفضي أيضاً إلى استمرار سياسة الضغوط والمواجهات المحدودة، إذا لم تتوافر إرادة سياسية حقيقية للتسوية.

ومن هنا، فإن الرهان لا ينبغي أن يكون على سقوط نتنياهو أو تراجع ترامب بحد ذاتهما، وإنما على ما يمكن أن ينتج عن هذه التحولات من تغيير في السياسات والمواقف، وعلى مدى استعداد القوى المؤثرة للانتقال من منطق القوة العسكرية وإدارة الأزمات إلى منطق الحلول السياسية ومعالجة جذور الصراع.

إن مسؤولية الدول العربية في هذه المرحلة تقتضي ألا تظل في موقع المتأثر بنتائج الصراعات التي يقررها الآخرون، بل أن تمتلك رؤية ومبادرة سياسيتين لحماية أمنها ومصالحها، وأن تعمل على بلورة موقف عربي مشترك يرفض تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للحروب والتنافس على النفوذ.

والخلاصة أن الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية لم تنه الحروب، لكنها أوجدت واقعاً سياسياً جديداً يرفع كلفة استمرارها، ويضع القيادتين الأمريكية والإسرائيلية أمام استحقاقات داخلية وخارجية أكثر صعوبة. وقد تكون هذه اللحظة فرصة لإعادة النظر في مجمل السياسات التي أوصلت المنطقة إلى هذا المستوى من التوتر.

فالسلام لا يتحقق بتغيير الحكومات وحده، ولا بمجرد توقف المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وإنما بمعالجة الأسباب السياسية والتاريخية للصراعات، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال الإسرائيلي وإنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية. ومن دون ذلك ستظل المنطقة تدور في حلقة متجددة من الحروب والتسويات المؤقتة، مهما تبدلت القيادات وتغيرت موازين القوى.

إن المطلوب ليس مجرد وقف حرب جديدة، بل بناء معادلة إقليمية جديدة للأمن والاستقرار، يكون السلام العادل واحترام سيادة الدول والحقوق الوطنية للشعوب أساسها، لا الهيمنة العسكرية ولا فرض الأمر الواقع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى