رؤي ومقالات

وليد محمد يكتب :السردية الفلسطينية من فضح الجريمة إلى صناعة التأثير

لم تكن حرب الإبادة الشاملة التي شنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة مجرد مواجهة عسكرية تجاوزت كل المعايير ، ولم تأت كرد فعل انتقامي على الزلزال الذي أحدثه السابع من أكتوبر في العام 2023 ، أو لضرورة فرضتها اعتبارات الامن الصهيوني المزعومة ، وإنما جاءت لتفضح البنية الفكرية والسياسية التي تشكلت في اطارها الحركة الصهيونية وطبيعة المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي وأهدافه قي فلسطين والمنطقة وكذلك لتبين حقيقة مؤسساتها العسكرية والسياسية والدبلوماسية والدينية ، ولتكشف بوضوح عن ماهية التصور الصهيوني للوجود الفلسطيني والانتقال من مراحله المختلفة الى مرحلة حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني وبسط السيطرة الجغرافية الكاملة على فلسطين التاريخية بالقوة عبر اللجوء عمليات تطهير وابادة وضغوط مختلفة لإجبار الفلسطينيين على النزوح والتهجير ,كما أنه لا يمكن الحديث عن معركة طوفان الأقصى دون الحديث عن ثمانين عاما من الصراع مع المشروع الصهيوني وما خلفه عبر محطات ومراحل زمنية مختلفة وما خلفه ذلك من نتائج كارثية على القضية الفلسطينية وعلى الشعب الفلسطيني الذي وجد نفسه أمام تحديات وجودية خطيرة بعد انسداد كامل لأفق التسوية والتغول الاستيطاني على الأرض والانسان الفلسطيني وفرض التهويد على كل ما يمت للفلسطيني بصلة وحالة الحصار المزمن على قطاع غزة بعد 2007 والتدهور الاقتصادي والإنساني وشن الهجمات والحروب المتكررة والتدمير الواسع للحواضر الفلسطينية مما أدى الى تفاقم المأساة واستحالة تحملها
تعددت أوجه صراع الشعب الفلسطيني مع الكيان الصهيوني وتجاوزت الصراع على الأرض الى صراع على الرواية والسردية وعلى التاريخ والجغرافية والمشروعية إذ لم يعد كافيا ان تكون القضية عادلة وإنما أصبحت تحتاج الى من يقدمها الى العالم في إطار سياسي وقانوني وأخلاقي يشرح تفاصيلها ودقائقها ، وكما كانت موازين القوى مختلة لصالح الكيان الى أبعد الحدود فإنها كانت كذلك في حرب السردية والرواية قبل معركة طوفان الأقصى وهيمنة اللوبي الصهيوني على امبراطوريات الاعلام ووسائل الاتصال وبناء منظومة متكاملة لإنتاج السردية وترويجها واستهداف الرأي العام الصهيوني والعالمي وتشكيل مواقف ال
حكومات وتوفير غطاء سياسي واخلاقي لجرائمه وكانت تستند الى حد كبير على حقائق زائفة مثل الاضطهاد التاريخي الذي تعرض له اليهود ومفهوم الضحية والمحرقة والهولوكوست ومعاداة السامية والارتباط التاريخي اليهودي بالأرض ومتطلبات الامن والتهديد الوجودي واستثمرت كل ذلك بعد احداث السابع من أكتوبر وتوظيفها في تبرير حرب الإبادة الشاملة وكل هذه الجرائم بحق الفلسطينيين في قطاع غزة ووضعت لذلك أهدافا معلنة بينما أثبتت مجريات الأمور انها تسعى الى تنفيذ اهداف استراتيجية بعيدة تتوافق وتوجهات حكومة الكهنوت الصهيوني المتطرفةبنت ” إسرائيل ” سرديتها لحرب الإبادة التي شنتها على قطاع غزة على عدة مرتكزات وظفتها لتبرير ما تقوم به من انتهاكات جسيمة وجرائم حرب ضد الإنسانية في غزة واهمها فصل هجوم السابع من أكتوبر عن سياقه السياسي و التاريخي والصراع الفلسطيني الصهيوني المتواصل منذ عقود وما نتج عنه واعتبار هذا الهجوم نقطة البداية الأساسية التي من خلالها يجب تناول الحرب ، كما استثمرت ” إسرائيل ” المناخ الدولي والحرب المشروعة على الإرهاب على اعتبار انها وشركائها يضعون حركات المقاومة في فلسطين على قوائم الإرهاب المزعومة من باب شيطنتها ونزع الشرعية السياسية والإنسانية والاخلاقية والقانونية عنها واتهامها بارتكاب أفعال مشينة أو الترويج بأنها تستخدم المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية وتحتمي بالمراكز الصحية والاغاثية و البنى التحتية والأماكن المكتظة بالسكان في محاولة منها لتحويل الضحية الى موضع الاتهام ، كما جرى استحضار الذاكرة اليهودية والحديث عن المحرقة والهولوكوست والتركيز على مفهوم الضحية والجماعة المهددة باستمرار والتي تعرضت لكثير من الاضطهاد و لا تريد ان يتكرر مرة أخرى في الحاضر والمستقبل وهي تقوم لذلك بما تدعيه من انه دفاع عن النفس وما تمليه الاحتياجات الأمنية للكيان ، كما لجأت السردية الإسرائيلية الى استخدام لغة عسكرية تخفي من خلالها السلوك الحقيقي على الأرض وتخفف من وطأته كاستخدام أسلحة ذكية وضربات دقيقة واهداف عسكرية ومناطق آمنة واوامر اخلاء وبنية تحتية للإرهاب واضرار جانبية وتقليل الخسائر المدنية وفتح تحقيق في حالات معينة او التركيز على مهنية مؤسستها العسكرية وأخلاقياتها كما تروج لنفسها بانها مركز حضاري و نموذج للديمقراطية ودولة المؤسسات بعكس جيرانها وتحترم القانون الدولي والقواعد الدولية وهي لذلك ترفض العنصرية كما تدعي وتتهم كل من ينتقد سلوكها بمعاداة السامية .
بالمقابل وأمام الكارثة الإنسانية الرهيبة وحرب الإبادة الشاملة وتحويل القطاع الى مكان غير قابل للحياة وجد الفلسطينيون انفسهم في مواجهة سردية “إسرائيلية متبناة من قبل الإدارة الأمريكية الداعم الأساسي للاحتلال واللاعب الأساسي على الساحة الدولية وان عليهم تجاوز التصور لتقليدي الذي يحصر مواجهة السردية المقابلة بإصدار البيانات او الاكتفاء بنشر الصور ومناشدة ضمير المجتمع الدولي الذي لا يعترف الا بلغة المصالح والانتقال الى رواية وسردية قادرة على المنافسة واحداث التأثير في الرأي العام العالمي ومراكز صنع القرار وتحويل ذلك الى سياسات لصالح القضية الفلسطينية فالعالم سمع وشاهد المجازر الجماعية وصور الاطفال تحت الأنقاض وتدمير المشافي والبنى التحتية والنزوح المتكرر للسكان وتسوية مربعات سكنية كاملة بالأرض وسياسة التجويع وشهادات الأطباء والصحفيين واصبح المطلوب بناء استراتيجية فلسطينية متكاملة لإنتاج السردية وتوثيق الحقيقة وفضح جريمة الابادة الجماعية وتفكيك الدعاية الإسرائيلية وتفنيدها لصنع التأثير لصالح القضية الفلسطينية وفق عدة مرتكزات أهمها :
– تفكيك السردية “الإسرائيلية” من خلال ربط معركة طوفان الأقصى بالسياق التاريخي للصراع مع المشروع الصهيوني عبر عقود طويلة وما انتجه ذلك من اقتلاع وتهجير واستيطان وحصار واعتقال وتهويد وتجويع ومأساة إنسانية متواصلة وانسداد افق التسوية وحروب متكررة وتوصيف الكيان كاختلال احلالي وأن مقاومته تجيزها كل الأعراف والقوانين الدولية.
– تفنيد المزاعم ” الإسرائيلية “بأن ما تقوم به هو دفاع عن النفس من خلال مسار قانوني لا يجيز استهداف المدنيين او تجويعهم او تهجيرهم او معاقبتهم جماعيا وتدمير حواضرهم.
– تفكيك ذريعة توفير الأمن” الإسرائيلي ” والتهديد الوجودي من خلال تبيان ان الامن لا ينفصل عن الحرية والحقوق الفلسطينية وكيف ان الكيان الصهيوني يوظف هذه الحجة كمدخل أيديولوجي وسياسي واعلامي لإعادة توصيف الصراع وحرف نظر العالم عن طبيعته. وأيضا من خلال تبيان ان الفلسطيني انسان أيضا وله كامل الحقوق وعلى رأسها الأمن. وفضح البنية الايدولوجية لحكومة الكهنوت الصهيوني المتشدد والذي أشرفت على حرب الابادة وارتكاب جرائم الحرب واستحضار تصريحات وممارسات رموزها _ تبيان حقيقة المؤسسة العسكرية الصهيونية وتوحشها واثبات عدم اخلاقياتها ونزوعها لارتكاب الجرائم والمجازر وتسويق الطابع الإنساني والاخلاقي للمقاومة في معاملته للأسرى الصهاينة لديها مقابل التوحش والاعدام الذي مورس بحق الأسرى الفلسطينيين
– التعامل مع اللغة والمصطلحات التي تستخدمها السردية الإسرائيلية في حربها لتضليل الرأي العام العالمي والعمل على تبيان حقيقتها ومعناها وترجمتها في الواقع الحقيقي كالحديث عن الأضرار الجانبية وتدمير بنية تحتية للإرهاب وأوامر الإخلاء والطرق الآمنة للسكان وأسلحة ذكية والمناطق الآمنة والادعاء برفع القيود عن الاحتياجات الإنسانية وغيرها.
– توحيد قواعد توثيق الجرائم والانتهاكات المرتكبة اثناء الحرب فإضافة الى تخصص الفرق القانونية فانه يجب تحويل ذلك الى مشروع وطني يجمع بين حماية حقوق الضحايا وصيانة الأدلة وبناء الرواية والسردية الموثقة وتعزيز فرص المسائلة القانونية.
– فضح ما تمارسه الحكومات من ازدواجية في المعايير من خلال بناء استراتيجية فلسطينية قادرة على جعل هذه الازدواجية مكلفة سياسيا واخلاقيا وقانونيا وعلى دفع الحكومات الى ترجمة مبادئها المعلنة الى سياسات قابلة للمحاسبة.
– إنشاء مركز فلسطيني مستقل للسرديات والادعاءات “الإسرائيلية ” يعمل كمؤسسة بحثية مستقلة ذات معايير معلنة هدفها الرصد والتحقق والتخصص القانوني وتحليل الخطابات واجادة التعامل مع وسائل الاعلام ومتحدثين خبراء في كافة المجالات.
– ألا تقف السردية الفلسطينية عند الحرب بل عليها ان تقدم تصور سياسي عن المستقبل وضرورة انهاء الاحتلال وتقرير المصير وإعادة الاعمار وحق عودة اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية.
– التوجه والتواصل مع المنصات صناع المحتوى واستثمار خبرتهم والاستفادة من مساحة الفضاء الرقمي الذي يشغلونه وتوجيه خطابات تناسب كل منصة وجمهورها وباللغة التي يفهما فالرأي العام ينقسم الى شرائح كثيرة مثل الطلبة والنقابات والعمال والأكاديميين والإعلاميين والخ
– ان يتحمل اللاجئون وفلسطينيو الشتات في الخارج وكذلك المثقفون مسؤولياتهم في صناعة الرواية والسردية الفلسطينية من خلال المجتمعات التي يعيشون فيها وباستخدام لغاتها من خلال اقامة فعاليات ومعارض وافلام ومهرجانات وشراكات مع مؤسسات واكاديميات وجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب وان لا تركز فقط على الحرب بل على السياق التاريخي للصراع.
– التركيز على الجانب القانوني وضرورة جلب الاحتلال الى المحاكم الدولية بتهم جرائم الإبادة الشاملة والجرائم بحق الإنسانية والانتهاكات المتواصلة لحقوق الانسان والعمل على حشد الخبراء والاختصاصين في هذا المجال ونشر محتوى هذه المحاكمات امام الرأي العام العالمي .
– توظيف وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة والمنصات وتكنولوجيا المعلومات وبجميع اللغات واستخدام كافة الوسائط الممكنة صور فيديو بودكات وغيرها لإيصال السردية الفلسطينية الى أكبر مساحة ممكنة للرأي العام العالمي
_ ولبناء استراتيجية فلنسطينية فعالة يجب للضغط لتجاوز حالة الانقسام الفلسطيني السياسي الحاد وتعدد المرجعيات والتمثيل لان ذلك يضعف الرواية الفلسطينية امام الراي العام العالمي ويصبح اقل قدرة على تفهمه في ظل وجود روايات فلسطينية متعددة.
ان الهدف النهائي للسردية الفلسطينية هو ان تصبح الحقوق الفلسطينية أكثر حضورا في وعي الراي العام العالمي ومراكز صنع القرار بحيث تتراجع قدرة الكيان الصهيوني على تبرير جرائمه وسياساته والافلات من العقاب والتهرب من المسؤولية وأن المطلوب فلسطينيا إدراك ان تقديم رواية وسردية فلسطينية موحدة وصادقة وشاملة تستطيع ان تغير في البيئات السياسية للمجتمع الدولي وتفتح المجال امام إجراءات وافعال لم تكن ممكنة في ظل الصمت او التعتيم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى