سعيد فارس السعيد يكتب : الأغبياء والحمقى أدوات صانعي الحروب .. إيران قوة إقليمية عظمى !!

الأغبياء والحمقى أدوات صانعي الحروب…
ايران قوة إقليمة عظمى
🖊 سعيد فارس السعيد
إيران أمة تاريخية عريقة، تمتد جذورها الحضارية والسياسية إلى آلاف السنين، وتشكل بثقلها الجغرافي والديموغرافي والاقتصادي والحضاري قوة إقليمية لا يمكن التعامل معها باعتبارها دولة عابرة أو كياناً يمكن إخضاعه بالتهديدات والعقوبات والحصار والضغوط العسكرية.
إن الذين يعتقدون أن إيران يمكن أن تنهار بفعل التهديدات الأميركية والإسرائيلية، أو أن إرادتها السياسية يمكن كسرها من خلال الحروب والضغوط الاقتصادية، يسيئون قراءة التاريخ والجغرافيا وطبيعة المجتمعات والدول وقدرتها على الصمود.
فإيران ليست مجرد مساحة جغرافية، وليست مجرد منشآت نووية أو صواريخ أو قواعد عسكرية، بل دولة تمتلك إمكانات ذاتية وموارد بشرية واقتصادية وعلمية وصناعية، وأوراق قوة استراتيجية متعددة. وليس إغلاق مضيق هرمز أو قطع الكابلات الضوئية للإنترنت في منطقة الخليج هما الورقتين الأساسيتين اللتين تتحكم بهما إيران، ولا هما حدود قدراتها وأوراق ضغطها الاستراتيجية، بل تمتلك طهران أوراقاً كثيرة ومتنوعة، بعضها معروف وبعضها الآخر قد يفاجئ العالم بحجمه وطبيعته وتداعياته.
ولذلك فإن اختزال القوة الإيرانية في مضيق هرمز أو في كابلات الاتصالات والإنترنت يعكس قراءة قاصرة لطبيعة الإمكانات الإيرانية وتعدد خياراتها الاستراتيجية.
ومن الغباء السياسي والاستراتيجي الاعتقاد أن الحرب والضغط على إيران سيؤدي بالضرورة إلى استسلامها، أو أن التهديد بتدمير بعض المنشآت أو استهداف بعض المواقع سينهي قدرتها على المواجهة أو يمنعها من استخدام ما تمتلكه من إمكانات وأوراق استراتيجية.
إن صانعي الحروب لا يحتاجون دائماً إلى جنودهم وصواريخهم وطائراتهم كي يشعلوا الحروب؛ فهم يحتاجون أيضاً إلى أغبياء وحمقى وأدوات سياسية وإعلامية تردد خطابهم، وتسوق أوهام انتصاراتهم، وتدفع الشعوب والدول إلى مواجهات لا تعرف كيف تبدأ ولا كيف تنتهي.
والمشكلة أن بعض هؤلاء لا يدركون أنهم ليسوا شركاء في صناعة القرار، بل أدوات يجري استخدامها لتحقيق مصالح الآخرين، وأنهم قد يكونون أول ضحايا الحروب التي يصفقون لها ويحرّضون عليها.
إن الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن يقف معهما في مشروع المواجهة، ينبغي أن يدركوا أن أي حرب واسعة مع إيران لن تكون نزهة عسكرية، ولن تبقى بالضرورة محصورة في حدود جغرافية أو جبهات محددة، وأن نتائجها قد تتجاوز حسابات من يقررون إشعالها، لتطال أمن المنطقة واقتصادها واستقرارها ومصالح دولها وشعوبها.
وإذا كانت إيران قد أظهرت في مراحل سابقة قدراً من ضبط النفس وتحديد طبيعة ردودها، فإن ذلك لا يعني أن عليها أن تتعامل بالطريقة نفسها في كل الظروف، ولا يعني أن خصومها يستطيعون الاستمرار في اختبار حدود صبرها وقدرتها على الرد.
وفيما إذا أقدمت الولايات المتحدة الأميركية أو إسرائيل على تنفيذ أي عملية عسكرية ضد إيران، خلال المرحلة الحالية أو في أي وقت لاحق، فإن الرد الإيراني، وفق ما تعلنه طهران عن استراتيجيتها الجديدة، سيكون فورياً وقوياً وحازماً، وقد يحمل مفاجآت استراتيجية هائلة، من دون التقيد بحدود جغرافية ضيقة، بحيث يشمل مواقع ومصالح الولايات المتحدة وحلفائها التي تعتبرها إيران أهدافاً مرتبطة بالعدوان عليها.
ولن يكون توقيف الحرب هذه المرة، وفق هذا التصور الإيراني، إلا بقرار إيراني وبشروط إيرانية، وليس وفق إرادة واشنطن أو تل أبيب المنفردة.
فالمعادلة التي تسعى طهران إلى فرضها تقوم على أن قرار بدء الحرب لا يمنح الطرف الذي أشعلها حق التحكم وحده بموعد انتهائها وشروط وقفها.
وفي مثل هذه المواجهة، قد لا تقتصر المطالب والشروط الإيرانية على الانسحاب الإسرائيلي الفوري من جنوب لبنان، أو من الأراضي السورية التي تحتلها إسرائيل في الجنوب السوري، أو وقف الحرب على اليمن، بل قد تتجاوز ذلك إلى المطالبة بإحداث تغييرات استراتيجية وسياسية وأمنية مهمة في منطقة الشرق الأوسط، بما يعيد رسم موازين القوى والنفوذ الإقليمي، ويعزز موقع إيران وقدرتها على التأثير في مستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في المنطقة.
وعندها لن تكون نتائج أي مواجهة جديدة محصورة في حدود الاشتباك العسكري المباشر، بل قد تمتد إلى ملفات إقليمية كبرى، وإلى إعادة النظر في طبيعة الوجود العسكري الأجنبي والتحالفات والترتيبات الأمنية، وفي موازين النفوذ والسيطرة في الشرق الأوسط.
إن من يعتقد أن بإمكانه إشعال حرب ثم التحكم بمسارها ونهايتها، إنما يكرر أخطاء تاريخية ارتكبتها قوى كبرى عندما استخفت بقدرات الآخرين، واعتقدت أن التفوق العسكري وحده كافٍ لفرض الإرادة السياسية.
والأخطر من ذلك أن الحروب لا يدفع أثمانها صانعو القرارات وحدهم، بل تتحمل الشعوب والدول المجاورة العبء الأكبر من الدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي وفقدان الأمن والاستقرار.
أما أمن المنطقة واستقرارها، فهما مسؤولية دولها وشعوبها، وليس مسؤولية القوات الأجنبية والقواعد العسكرية القادمة من خارجها.
فالمنطقة ليست عاجزة عن حماية أمنها، ولا ينبغي أن تبقى رهينة التنافس الدولي أو ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.
إن بناء منظومة أمن إقليمية مستقلة، تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها والتعاون المتكافئ بينها، هو الطريق نحو أمن مستدام يحفظ مصالح شعوب المنطقة وحقوقها ومستقبل أجيالها.
ومن هنا، فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي من دول المنطقة وشعوبها عدم الانجرار وراء التحريض، وعدم السماح بتحويل أراضيها ومقدراتها إلى ساحات لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
إن السلام العادل والشامل بالمنطقة ليس ضعفاً، والحكمة ليست استسلاماً، ورفض الحروب لا يعني التخلي عن حقوق الدول أو تجاهل مصالحها وأمنها القومي.
بل إن الحكمة الحقيقية تكمن في إدراك عواقب القرارات قبل اتخاذها، وفي منع المغامرين من دفع المنطقة بأكملها إلى مواجهة لا رابح فيها.
فكفى استهتاراً بعقول الشعوب ومصائرها، وكفى تحويل الدول والأوطان إلى أدوات في مشاريع صانعي الحروب.
سعيد فارس السعيد
كاتب باحث استراتيجي مستقل
متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام»