رؤي ومقالات

وليد محمد يكتب :كيف أضاع العرب بوصلتهم ونخوتهم وخذلوا غزة؟

شكلت حرب الإبادة المتواصلة التي يشنها الكيان الصهيوني على الشعب الفلسطيني في غزة عقب عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحول كبرى في مسار الصراع مع المشروع الصهيوني في المنطقة وعكست بشكل دقيق التحولات الحاصلة في بنية النظام الرسمي العربي وموقع القضية الفلسطينية على اجندة اهتماماته ، كما أظهرت الفجوة الكبيرة بين ما تعلنه هذه الأنظمة من خطاب سياسي هدفه تضليل شعوبها وبين الممارسة العملية وتماهيها بأشكال مختلفة مع الرؤية الصهيوأمريكية في إعادة رسم وترتيب أوراق كامل المنطقة ، ومثلما جاءت هذه الحرب لتفضح حقيقة هذا الكيان المجرم فإنها كشفت وفضحت التخاذل والتواطىء الرسمي العربي و فشله مرة أخرى في قدرته على مواجهة التحديات الكبرى التي تتعرض لها الامة ولتكشف الستار عن العجز والقصور والواقع الحقيقي التي تعيشه الشعوب العربية وفقدانها إرادة التغيير و التعبير عن قضاياها ،وأمام ما يحدث من فضائع تفوق الوصف بحق الفلسطينيين في قطاع غزة وهذا الصمت العربي المريب عن حجم الجرائم بحق الغزيين والانتهاكات الجسيمة بحق أطفالهم ونسائهم وبحق البشر والحجر وجرائم الإبادة الإنسانية وجريمة التهجير وتحويل القطاع الى مكان لا يصلح للعيش فيه و تحول معظم الخطاب الرسمي العربي لصدى يردد السردية الصهيونية ويلقي باللائمة على الضحية بدل ان يدين الجلاد ، وأمام عجز كامل المنظومة العربية عن كسر الحصار و إيصال الغذاء والدواء الى المجوعين المكلومين في غزة ، وبعد أكثر من مئتي الف بين شهيد وجريح وأكثر من 700 يوم من العدوان المتواصل نجد انفسنا أمام أسئلة كثيرة ومنها كيف وصلت الحالة العربية الى هذا المستوى من اللامبالاة والبلادة واحيانا التخاذل والتماهي مع ما يحدث وكيف تبخرت نخوة العرب وهل هذه المواقف هي وليدة المرحلة الراهنة ام انها نتاج تراكمات سياسية وتاريخية ؟
لا شك إن هناك عوامل كثيرة ساهمت في فقدان الجسد العربي لمناعته و وصول العرب الى هذا المستوى من التبعية والعجز والضعف والهوان الامر الذي سهل على أعداء الأمة من قوى استعمارية غربية ووفق استراتيجيات مرسومة تكريس واقع تقسيمها وتفتيتها الى كيانات ضعيفة ومجزأة ، وأحد هذه العوامل هو ما تركه تعثر المشروع القومي العربي في منتصف القرن الماضي من أثر على منظومة الوعي الجمعي العربي وما شكله ذلك من صدمة في وجدان العرب وشعورا بالمرارة بعد أن علقوا عليه الأمل ورأوا فيه طوق نجاه للتحرر من الهيمنة الاستعمارية وتحقيق التنمية واللحاق بركب الأمم الأخرى وحارسا للأمن القومي ومواجهة التحديات والاخطار المحيطة وعلى رأسها المشروع الصهيوني الاستعماري التوسعي وزاد من تلك الصدمة الهزيمة المذلة في حرب حزيران 1967 وما نتج عنها من تحول القضية الفلسطينية بعد ان كانت رمزا معنويا و مقياس موحد للتطلعات القومية العربية الى انعكاس لواقع الهزيمة والعجز، هذه الهزيمة كشفت حقيقة الأنظمة ونواياها في التخلص من عبئ القضية الفلسطينية وتغليب مصالحها القطرية والضيقة على المصالح القومية العليا وتحقيق أحد أهم اهداف المشروع الصهيوني الاستعماري وهو نسف البعد القومي للصراع ، بعد ذلك شهدت الساحة العربية تحولات سياسية كبرى في بنية النظام الرسمي العربي وانتقاله من شعار تحرير فلسطين الى مرحلة التسويات السياسية والبحث عن حلول وانصاف حلول لتصفية القضية وبداية السقوط في مستنقع التطبيع مع الكيان الصهيوني والاعتراف بحقه في العيش بسلام على حساب الحقوق الفلسطينية وتجلى ذلك بخروج مصر الشقيقة الكبرى من دائرة الصراع وتوقيعها اتفاقيات كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني ثم ما تبع ذلك من خلافات وانقسامات عربية عربية أحدثت شرخا عميقا في حالة التضامن العربي وما صاحبها من متغيرات إقليمية ودولية أخرجت العرب من دائرة الفعل الى دائرة التبعية والدوران في أفلاك مصالح القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية ثم جاء بعد ذلك التحول الكبير في الخطاب الرسمي الفلسطيني ممثلا بمنظمة التحرير الفلسطينية والانتقال من مربع التحرير الى مربع التسوية الامر الذي أوصل في النهاية الى مرحلة اوسلوا والتي بموجبها اعترفت المنظمة بالكيان الصهيوني واستبدلت الرواية الفلسطينية والعربية برواية أخرى الامر الذي احدث اختراقا كبيرا في منظومة الوعي الجمعي العربي وخاصة أنه منح الشرعية السياسية والتاريخية لدولة الاحتلال الصهيوني من قبل أصحاب الحق وكسر نمط التفكير العربي بالعداء المطلق لها وتحولت القضية من صراع وجود الى نزاع حدود ، كما أن ذلك فتح الباب واسعا للتشكيك بجدوى المقاومة وفقدان التعاطف معها وبالتالي خسارتها لعمقها القومي ، أما أخطر تداعيات ذلك فتمثلت في أن أوسلوا فتح الباب واسعا امام الأنظمة لعقد اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال وصولا الى ما سمي الاتفاقيات الابراهيمية وبالتالي جرى اسقاط حالة التضامن الجماعي مع الفلسطينيين والتركيز على دعم السلطة الفلسطينية إداريا بدل ان يكون دعما تحرريا ، اما على المستوى الشعبي فقد خسرت القضية الفلسطينية الكثير من رصيدها في الشوارع العربية ولم يعد التفاعل والتعاطف مع احداثها قائما كما كان في فترات سابقة .
كما جاءت الأزمات والمشاكل الداخلية التي تعيشها الشعوب العربية وهي عديدة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية لتساهم أكثر في تكريس النزعة القطرية على حساب التطلعات القومية، هذه الازمات التي برزت كنتيجة لتراكمات تاريخية أعاقت البلدان العربية من تحقيق التنمية والنهوض بواقعها المزري وهي كانت ولا زلت تعاني من غياب الديمقراطية
وحرية التعبير وغياب دور النخب والأحزاب واستبداد الأنظمة وسياسات القمع وتفشي الفساد وفي ارتفاع معدلات البطالة والفقر وانعدام الامن الغذائي وارتفاع معدلات الهجرة للطاقات وخاصة للشباب للبحث عن سبل عيش كريم وعلى الصعيد الاجتماعي تراجعت مفاهيم التكافل والتضامن المجتمعي والوطني لتحل محلها الهويات المناطقية والعشائرية والطائفية والاثنية والدينية ، هذه الازمات المتراكمة إضافة للتحولات الكبرى في المنطقة عقب ثورات الربيع العربي والتي فجرت كثير من التناقضات الداخلية في المجتمعات العربية ساهمت في انشغال هذه الشعوب بهمومها ونزاعاتها ومشاكلها الداخلية دون ان تتمكن من الالتفات لما يحصل خارج حدودها القطرية وخاصة فيما تعلق منها بالقضية الفلسطينية .
كما ساهم الى حد كبير سلوك الأنظمة العربية وخاصة المطبعة منها في التركيز على وضع استراتيجيات إعلامية بالتعاون مع الماكينة الإعلامية الغربية والأمريكية الضخمة في التأثير على الرأي العام العربي والعالمي هذا السلوك الذي سعى لتبرير سياسات الأنظمة وخطواتها التطبيعية من خلال العمل على تحسين صورة الاحتلال الصهيوني وتقديمه كشريك اقتصادي ومركز حضاري متقدم ولاعب إقليمي يمتلك مفاتيح الأمن والسلم الإقليميين وأنه يملك من الإمكانيات والقدرات والتحالفات والشراكات ما يجعله كيانا غير قابل للهزيمة , وبالمقابل فإنها عملت على اختراق وتزييف منظومة الوعي الجماهيري عبر شيطنة المقاومة وتشويهها واتهامها بتهديد الاقتصاد والامن الإقليمي وزعزعة الاستقرار وبث الفوضى ومعاداة المصالح القومية العليا وتصفها بالمغامرة حينا وبالإرهاب والعمل لصالح اجندات خارجية وإقليمية معادية للعروبة أحيانا أخرى كما اتهمتها على الدوام بتبني أيديولوجيا متطرفة تضر بتطلعات الشعوب نحو المستقبل كل ذلك لرسم صورة ذهنية سلبية في ذهنية المواطن العربي وتقلب وتشوه ما ترسخ من حقائق في ذاكرته ووعيه الجمعي ولتقطع الطريق على إعادة القضية الفلسطينية لتكون في عقل ووجدان كل عربي ، إضافة الى مارسته تلك الأنظمة من سلوك أمني وقمعي والتصدي لمحاولات الناشطين في الشوارع للتضامن والخروج نصرة لغزة والتنديد بجرائم الاحتلال كحد أدنى، كما لاحقت حتى حملات التبرعات والمساعدات الإنسانية ومنعتها ، واستنفرت كل أجهزتها القمعية لتقوم بحملات اعتقال واسعة للمتضامنين وزجهم في السجون وإحالتهم الى محاكم صورية واتهامهم بزعزعة الامن والتسبب بالفوضى والارتباط بجهات خارجية وارهابية كما ضيقت على الاعلام ومنعت وصول كامل وحقيقة المشهد الغزاوي الى الجمهور.
ومع وجود هذه العوامل المرضية التي اصابت الجسد العربي وأوصلته الى حالة من الوهن والخنوع والتأقلم مع الواقع البائس التي تعيشه الشعوب ، وأمام حجم المأساة وضخامة الجريمة وحرب الإبادة الجماعية والتهجير فإنه لا يمكن إعفاء العرب حكاما وشعوبا من المسؤولية الأخلاقية والدينية والقومية والإنسانية تجاه غزة وعليهم ان يقفوا أمام التاريخ ويشعروا بالعار لانهم تخلوا عن نخوتهم وغيرتهم وأخلاقهم هذا التاريخ الذي سيكتب كيف خان العرب انفسهم في هذه المرحلة المظلمة وكيف تواطأت بعض الأنظمة العربية مع العدو الصهيو أمريكي في تنفيذ هذا المخطط الخطير اذ لا يمكن تبرير جريمة الصمت و حالة الخذلان بحق الفلسطينيين وعليهم ان يتعظوا من الدلالات الكبيرة لمشاهد مظاهرات التضامن والغضب في البرلمانات والشوارع الأجنبية والغربية والامريكية نصرة لغزة وتنديدا بهذا المستوى الغير مسبوق من الاجرام الصهيوني وتعاطفا إنسانيا مع الضحايا ، عليهم ان يتعلموا من سفن وقوارب كسر الحصار المتجهة لشواطئ غزة وعلى متنها أحرار العالم ، ومن بعض الحكومات الاجنبية وهي تلاحق الكيان على جرائمه بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب في المحافل الدولية والمؤسسات الحقوقية وتفرض عليه العقوبات وتوقف التعامل معه ‘ وامام هذا الواقع هل سيبقى الرهان قائما على قدرة الشعوب على كسر جدار الخوف وانها ستستيقظ في لحظة تاريخية وتنفض عنها ذل الأنظمة و تستبدلها بقيادات حقيقية تضع مصالح الامة وتحررها من اية تبعية فوق أي اعتبار، هذه الشعوب التي تحمل في وجدانها وضميرها تلك الروابط العروبية والقومية الاصيلة الكامنة والتي باتت تنتظر طوفان عربي كبير يعيد الى العرب وعيهم الجمعي ونخوتهم المفقودة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى