د. فيروز الولي تكتب:اليمن… العمق الذي يُعامل كهامش
كيف ترفضه دول الخليج في مجلس التعاون وتستثمر فيه كحقل تجارب؟

اليمن ليس دولة فقيرة،
اليمن دولة مُفْقَرة…
وليس خارج الخليج،
بل مُبعَد عنه عمدًا.
هو العمق الاستراتيجي الذي يُستدعى عند الخطر،
ويُنسى عند الشراكة،
ويُستعمل عند الحرب،
ويُقصى عند السلام.
واليوم، ونحن نسأل:
من هي الدول الخليجية التي تمانع ضم اليمن لمجلس التعاون؟
نكتشف المفارقة الكبرى:
هي ذاتها التي تموّل “الشرعية”، وتدعم “الانتقالي”، وتُدير الصراع من الخلف… ثم تتظاهر بالحياد من الأمام.
أولًا: من يرفض اليمن؟ (بلا دبلوماسية)
رسميًا:
لا توجد دولة خليجية تعلن: “نحن ضد انضمام اليمن”.
عمليًا:
السعودية: الراعي الأكبر لملف اليمن، لكنها لا تريد شريكًا كامل العضوية، بل جارًا مُدارًا.
الإمارات: لا تريد يمنًا موحدًا أصلًا، فكيف تريده عضوًا؟
عُمان والكويت وقطر والبحرين: تحفظات صامتة، خوفًا من “استيراد الفوضى” لا من الظلم.
الخلاصة؟
لا أحد يريد يمنًا داخل البيت… الجميع يريد اليمن في الحوش الخلفي.
ثانيًا: التحليل النفسي – عقدة اليمن الكبير
الخليج، نفسيًا، ينظر لليمن كالتالي:
شعب كثير… مرهق… صبور… غير قابل للترويض السريع.
دولة لها تاريخ أقدم من النفط، وهذا يُقلق.
مجتمع لا يُدار بالشيك فقط، بل بالكرامة… وهذه مشكلة
الخليج يحب:
دولًا صغيرة
سكانًا أقل
أنظمة قابلة للضبط
معارضة بلا أسنان
واليمن؟
كبير، فوضوي، عنيد، وذاكرته طويلة.
ثالثًا: اجتماعيًا وثقافيًا – اليمن لا يُشبه النادي
مجلس التعاون ليس اتحادًا اقتصاديًا فقط،
هو نادي اجتماعي مغلق:
أنماط عيش متقاربة
بنية قبلية–ريعية متصالحة
مواطن “مُدلل” لا “مُطالب”؟
مجتمع كادح
دولة جمهوريات وانقلابات
مواطن يسأل: ليش؟ وكيف؟ ومن سرق؟
هذا المواطن مرعب لأي منظومة ريعية.
رابعًا: سياسيًا – يمن شريك أم يمن تابع؟
ضم اليمن يعني:
تمثيل سياسي
صوت في القرارات
مساءلة
ملفات حدود، عمالة، سيادة، اتفاقيات
والخليج لا يريد:
يمنًا يسأل
يمنًا يعترض
يمنًا يفاوض
يريد:
شرعية تعتمد
انتقالي يتقاتل
فصائل تتناحر
ومشهدًا بلا دولة
خامسًا: اقتصاديًا – اليمن ليس عبئًا… بل تهديدًا للنموذج
كذبة كبرى:
“اليمن عبء اقتصادي”
الحقيقة:
اليمن سوق ضخم
قوة عمل هائلة
موانئ استراتيجية
موقع يتحكم بممرات التجارة
لكن… ضم اليمن يعني:
إعادة توزيع
عدالة اقتصادية
إنهاء الامتيازات
فتح ملفات العمالة
والخليج لا يريد منافسًا فقيرًا قد يتحول شريكًا قويًا.
سادسًا: عسكريًا وأمنيًا – اليمن كجدار نار لا كدولة
استراتيجيًا: اليمن يُراد له أن يكون:
منطقة عازلة
ساحة صراع بالوكالة
حائط صد
لا دولة مستقرة
دولة يمنية قوية؟ تعني:
جيش وطني
سيطرة على باب المندب
قرار سيادي
وهذا… غير مرغوب فيه.
سابعًا: دبلوماسيًا – لعبة التوازن القذر
الخليج يتقن:
دعم الشرعية في العلن
تمويل الانتقالي في السر
الحديث عن السلام
إدارة الحرب
ضم اليمن؟ يفسد اللعبة. لأنه يفرض:
وضوح
التزامات
مساءلة قانونية
ثامنًا: إعلاميًا – شيطنة اليمن وتجميل الوصاية
الإعلام الخليجي:
يضخّم الفوضى
يُعمّم السلاح
يُغفل التدخلات
يقدّم نفسه منقذًا
السردية:
“نساعد اليمن… لكنه لا يستقر”
ولا يقول:
“لأننا لا نريده أن يستقر.”
تاسعًا: قانونيًا ودستوريًا – العضوية تعني حقوقًا لا مِنَحًا
ضم اليمن يعني:
حرية تنقل
عمل
إقامة
تكامل تشريعي
محاكم إقليمية
مساءلة مالية
والخليج يفضّل:
منح مؤقتة
استثناءات
وقرارات سيادية بلا طعن
الخلاصة الدامية (لكن الصادقة):
اليمن ليس مرفوضًا لأنه ضعيف
بل لأنه لو تعافى… سيتغير ميزان الخليج كله.
يريدونه:
ساحة لا دولة
ملفًا لا شريكًا
جبهة لا عمقًا
تابعًا لا عضوًا
الخاتمة – سؤال ساخر لاذع:
يا خليج… إذا كان اليمن:
بوابتك
عمقك
تاريخك
ظهرك الجغرافي
فلماذا تعامل العمق كأنه هامش؟
ولماذا تخاف من شريك
وتطمئن لوكيل؟
ربما لأن
الدول الواثقة تبني شراكات…
أما القلقة فتدير الأزمات.
واليمن؟ لن يبقى ملفًا إلى الأبد…
إما دولة كاملة
أو فوضى ستطرق أبواب الجميع.









