ماجا.. الحروب “بكتالوج أميركا أولا”.

24 ساعة من عملية فنزويلا، تكشف وجها سياسيا جادا لحركة “ماجا” حين تُوضع أمام اختبار التدخل الخارجي، فالحركة التي تأسست سرديتها على رفض “الحروب الأبدية” التي – بحسب خطابها – استنزفت الأميركيين في العراق وأفغانستان، وجعلت دافع الضرائب يمول مغامرات لا تنتهي… لكنها، في اللحظة التي قدمت فيها إدارة ترمب العملية باعتبارها “عملية إنفاذ قانون” ضد شخص مُلاحق أميركيًا بتهم مخدرات و”ناركو-إرهاب”، وباعتبارها خطوة أمن قومي تمنع تهريب المخدرات وتعيد ترتيب “الجوار” الغربي، بدت القاعدة الماجاوية – خصوصًا المؤثرين – أقرب إلى التماهي مع قرار البيت الأبيض منها إلى التمرد عليه، أو على الأقل لم يظهر “شرخ” واسع ومنظم يوازي حجم الحدث.. وهو اختطاف رئيس دولة ذات سيادة ونقله إلى نيويورك، مع إعلان ترمب نفسه أن الولايات المتحدة “ستدير البلاد” مؤقتًا وأن شركات النفط الأميركية ستدخل لإصلاح البنية النفطية.
واللافت أن هذا التماهي لا يبدو انقلابًا على “مبدأ” بقدر ما هو كشف لجوهر المبدأ ذاته.. فـ”أميركا أولًا” عند القاعدة لا تُترجم دائمًا كالتزام أخلاقي أو قانوني بالنظام الدولي وحدود السيادة، بل تُترجم كحساب تكلفة/عائد داخلية، تتمحور حول: هل ستُورطنا العملية في مستنقع طويل؟ هل ستسحب أموالنا وجنودنا إلى حرب مفتوحة؟ إذا كانت الإجابة “لا”، ومجرد عملية خاطفة، نتائجها سريعة، خسائرها الأميركية محدودة، يتحول الاعتراض المبدئي إلى صمت أو مباركة. حتى في النقاش الأميركي الداخلي نفسه، ظهرت الفكرة بوضوح في تقييمات نُقلت عن شخصيات جمهورية: أن الرئيس يمتلك “مساحة حركة كبيرة طالما أن الجنود الأميركيين لا يموتون”، بينما كان القلق الحقيقي يدور حول معنى “إدارة فنزويلا” وخطر الانزلاق إلى مرحلة احتلال أو إدارة طويلة الأمد.
لذلك لم تكن صياغة الملف على الورق – من زاوية المحكمة واللائحة الاتهامية – هي العنصر الأكثر تحريكا لمشاعر القاعدة، بل صورة “الإنجاز” العسكري-الاستخباراتي نفسه: ضربة محددة، هدف مُنجز، ورسالة قوة؛ وهو ما يفسر كيف يمكن لشخصية مثل ستيف بانون، الذي يُقدم عادة كرمزٍ لتيار “أميركا أولًا”، أن يشيد بالعملية بوصفها “جريئة ولامعة”.
وبالمناسبة وبالمعنى نفسه، يقدم ملف جرينلاند مثالًا موازيًا على أن ماجا لا تُدار بمنطق “ممنوع التدخل” كقاعدة أخلاقية صلبة، بل بمنطق “ممنوع الاستنزاف”.. فبينما يعيد ترمب مرارًا الحديث عن جرينلاند بوصفها “ضرورية للأمن” وألمح إلى إمكانية استخدام الضغط وربما القوة، ما أثار ردودًا رسمية رافضة من قادة دنماركيين وجرينلانديين، لكن الضجيج داخل قاعدة ماجا نفسها يبدو أقل حدة من ضجيج خصومه، لأن النقاش عند المؤثرين غالبًا يدور حول “كيف” و”كم سيكلف”، لا حول المبدأ القانوني في ذاته.
من هنا، وإن كانت تُقرأ دلالات اعتقال مادورو ومحاكمته أميركيا على مستوى عالمي، داخليا يمكن من خلالها قراءة “ماجا القاعدة” بوصفها حركة “مصلحة لا تورط”، حركة تؤيد التدخل طالما أنه يُقدم كأداة لحماية الداخل (جريمة/مخدرات/هجرة) أو كرافعة لمكاسب ملموسة (النفط/النفوذ في “الفناء الخلفي”)، وتتحفظ عندما تبدأ مفردات “جنود على الأرض” و”إعادة البناء” و”إدارة بلد دون مكاسب.
وفي عملية فنزويلا تحديدًا، نجحت الإدارة -حتى الآن- في تسويق الحدث داخل هذا القالب، “عدالة لا تغيير نظام” و”أمن داخلي لا حرب خارجية”، و”عملية محدودة لا احتلال”، وهي صياغات تساعد على تفكيك الاعتراضات قبل أن تتحول إلى تمرد واسع، مع بقاء اعتراضات فردية ومحدودة تظهر هنا وهناك لكنها لا ترقى إلى انتفاضة قاعدة تُحرج ترمب أو تشق صف الحركة.









