رؤي ومقالات

فراج إسماعيل يكتب :لماذا سكت الشعب الفنزويلي؟!

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

سألت وسائل الإعلام الأمريكية: لماذا قبل الشعب الفنزويلي بإهانة اعتقال رئيسه والعصف بسيادة دولته حد أن ترامب أعلن أن واشنطن ستتدخل في اختيار إدارة الحكم القادم؟
سهرت ليلة أمس أمام تغطية القنوات الأمريكية وما جلبته من محللين متخصصين (مش حافظين). شدتني التغطية حتى أذان الفجر، خصوصا CNN وفوكس نيوز.
أهم ما توقفت عنده أنه لا يوجد تحليل إنشائي أو طق حنك. كلهم انطلقوا من معلومات. وهذا ما أدعو إليه كتاب المقالات في صحفنا.
لكني توقفت طويلا عند إجابة أحدهم: الشعوب الجائعة المنهكة بظروف الحياة الصعبة لا تدافع عن وطن ولا تعنيها “الإهانات السياسية”.. ورغم أن فنزويلا دولة نفطية من المفترض أنها ثرية إلا أن شعبها يعاني حياتياً، وهذا ما استند إليه الهجوم الأمريكي المباغت الذي لم تزد مدته عن 30 دقيقة.
الاعتقال كان سهلا للغاية. لو أراد ترامب اعتقال “خط الصعيد” أيام وجوده ما تمكن أن يفعلها بكل تلك السهولة. قواته دخلت غرفة نوم مادورو الذي كان مستلقيا بجانب زوجته، وكان ترامب يشاهد ذلك في غرفة معزولة بستائر في منتجع مارالاجو، محاطًا بشاشات مُعدّة خصيصًا لمتعته، وفقًا لصور نشرها البيت الأبيض.
أُلقي القبض على مادورو سريعاً أثناء محاولته الفرار إلى غرفته الآمنة المحصنة بالفولاذ.
قيل لترامب خلال شهور طويلة من التخطيط: لن يكون هناك رد فعل شعبي. لن تكون هناك فيتنام أخرى. الشعب مثقل بظروفه الحياتية وبسيطرة الفساد والفاسدين. الشعب لن يدافع عن سيادة وطن يقهره.
هذه المعلومات جعلت ترامب يعطي الضوء الأخضر للعملية في الأيام التي سبقت عيد الميلاد بعد جولة تسوق وتناول العشاء في فناء منتجع مارالاجو.
ثم قال ترامب لمجموعة من مسؤولي الأمن القومي الذين اجتمعوا في ناديه الخاص الفاخر في جنوب فلوريدا: “حظاً سعيداً، ونسأل الله التوفيق”.
سرعان ما حلقت المروحيات الأمريكية فوق البحر، على ارتفاع 100 قدم فوق المياه الداكنة، باتجاه كاراكاس. وبعد ساعتين، كان مادورو رهن الاحتجاز لدى الولايات المتحدة، مكبل اليدين، يرتدي بنطالاً رياضياً رمادياً ونظارات معتمة، وفقاً لصورة نشرها ترامب على موقع “تروث سوشيال” صباح السبت.
ظهر ترامب يوم السبت ليعلن أن الولايات المتحدة ستدير البلاد لمستقبل غير محدد، مقدماً تفاصيل قليلة بشكل لافت للنظر ومدعياً ​​أنه لا يخشى “القوات البرية لفنزويلا”.
تجاهل الرئيس التحذيرات من رد فعل شعب فنزويلا، مركزاً بدلاً من ذلك على الحصول على حق الوصول إلى احتياطيات النفط الهائلة، ورفض استبعاد وجود عسكري أمريكي أقوى إذا رفض حلفاء مادورو التخلي عن السلطة.
قال لهم: وماذا يدخل للشعب الفنزويلي من احتياطات النفط الضخمة في بلاده؟!
لم يكن الأمر يحتاج إلى خيانة مؤثرة وتسليم مادورو تسليم أهالي لأن الشعب نفسه لا يعنيه شيئا، داخل في مرحلة متأخرة من اللا مبالاة.
بدأت الاستعدادات للغارة في منتصف ديسمبر، وفقًا لمصادر مطلعة، لكن الفكرة كانت قد وُضعت قبل ذلك بأشهر.
في أغسطس زرعت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية سرًا فريقًا صغيرًا داخل فنزويلا لتتبع أنماط مادورو ومواقعه وتحركاته، مما ساهم في دعم عملية يوم السبت فيما يتعلق بمكان وجوده بالتحديد، بما في ذلك مكان نومه. كيف كان يتحرك، وأين كان يعيش، وأين كان يسافر، وماذا كان يأكل، وماذا كان يرتدي، وما هي حيواناته الأليفة”.
لكن استبعاد دور مؤثر لخيانة لا يعني التحرك بعين عمياء. لابد من عيون داخل حكومة مادورو خصوصا مع علمهم بأن أيامه صارت في الحكم معدودة.
كان هناك مصدر لوكالة المخابرات المركزية يعمل داخل الحكومة الفنزويلية ساعد الولايات المتحدة في تتبع موقع مادورو وتحركاته قبل القبض عليه.
استمر التخطيط التخطيط والتدريبات عدة أشهر، شملت 150 طائرة وأفراداً من مختلف الوكالات العسكرية والاستخباراتية.
بدت شوارع عديدة في كاراكاس، حيث كانت رائحة البارود لا تزال عالقة، مهجورة في الساعات الأولى من صباح السبت. وخرج بعض الأشخاص بحثاً عن الضروريات الأساسية، مثل حفاضات الأطفال، بينما كانت معظم المحلات التجارية مغلقة، بما في ذلك الصيدليات ومحلات السوبر ماركت ومحطات الوقود.
أعادت قناة فوكس نيوز المقطع الذي قاله لها ترامب بعد العملية: “لو رأيتم ما حدث، أعني، لقد شاهدته حرفيًا، كما لو كنت أشاهد برنامجًا تلفزيونيًا”.
اكتفى ترامب بتلميحات مبهمة إلى “مجموعة” ستتولى حكم 31 مليون نسمة يعيشون هناك. وبينما بدا واثقًا من أن نائبة الرئيس الفنزويلي، ديلسي رودريجيز، “ستفعل ما نراه ضروريًا لجعل فنزويلا عظيمة مرة أخرى”، خرجت رودريجيز بعد ساعتين لتؤكد أن بلادها تعرضت “لهجوم وحشي” جراء العملية.
في الساعات التي أعقبت قصف القوات الأمريكية لكاراكاس واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ابتهجت المعارضة الفنزويلية المنهكة.
“أيها الفنزويليون، لقد حانت ساعة الحرية!”، هكذا صرّحت ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة حركة المعارضة الفنزويلية والحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2025.
هناك إدموندو غونزاليس أوروتيا الذي تعتبر المعارضة أنه الفائز الشرعي في الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها التي جرت في فنزويلا عام 2024 وتزعم أنه تم تزويرها لصالح مادورو.
ترامب يعول كثيرا وفق نصيحة مخابراته على أهمية الظهير الشعبي ودوره في مساندة الحكم ولذلك تحفظ على تسليم السلطة لزعيمة المعارضة ماتشادو وقال “على الرغم من كونها “امرأة لطيفة للغاية”، إلا أنها لا تحظى بالدعم أو الاحترام الكافيين داخل البلاد” لقيادة فنزويلا.
قد يبدو رد فعل ترامب البارد تجاه ماتشادو غريباً، فهي زعيمة معارضة من أشدّ مؤيديه، وقد أهدت له جائزة نوبل التي فازت بها.
لماذا يعاني الشعب الفنزويلي معبشيا رغم أن دولته نفطية كبيرة؟!
أمّمت فنزويلا قطاع النفط لديها، ولم تكتفِ بالحصول على حصة من الأرباح، بل أرادت الاستحواذ عليها بالكامل، إلا أن إنتاج النفط يتطلب صيانة مستمرة وإعادة استثمار في آبار جديدة.
لا تفعل فنزويلا ذلك. انخفضت مستويات الإنتاج، وأصبح اقتصادها مستقبلاً لعائدات النفط فقط. الفساد الإداري سبب نقمة الشعب. تفاقمت الأزمة المعيشية مع عملية التأميم، حيث استُبدل الموظفون المؤهلون بمقربين ذوي نفوذ سياسي. وشهدت قطاعات النفط إضرابات واسعة النطاق ، قمعت الحكومة هذه الإضرابات بشكل كبير. فصلت معظم العمال المضربين واستُبدلوا بموظفين أقل خبرة، لكنهم أكثر ولاءً سياسيًا.
يتطلب قطاع النفط الفنزويلي كوادر كفؤة نظرًا لبنيته التحتية الواسعة والمعقدة مقارنةً بغيره من الدول. تقع حقول النفط في منطقة نائية من البلاد على الجانب الآخر من سلسلة جبال. وهذا يعني ضرورة صيانة العديد من خطوط الأنابيب المكلفة والمعقدة لضخ النفط الخام عبر الجبال إلى موانئها في المناطق المأهولة بالسكان في فنزويلا. كما أن صيانة أبراج الحفر صعبة بسبب موقعها النائي، لذا فبدون سلسلة إمداد قطع غيار مُخططة جيدًا وجدول صيانة مكثف، ستتعطل هذه الأبراج حتمًا. هذا ما حدث بالفعل لجزء كبير من صناعة النفط الفنزويلية، حيث تدهورت البنية التحتية بشكل كبير.
اختلس موظفون معينون من قبل الدولة أموال الصيانة، وهم أنفسهم غير مؤهلين لشغل مناصبهم، ولم تؤمّن الحكومة سلسلة إمداد لقطع الغيار اللازمة لبنيتها التحتية النفطية المتهالكة.
باختصار، تم إهمال قطاع النفط لعقود طويلة دون أي إدارة فعّالة، ومعظم بنيته التحتية على وشك التوقف عن العمل وتحتاج إلى استبدال كامل. لكن الحكومة لا تملك الأموال اللازمة لاستبدال البنية التحتية لعدم وجود مصادر تمويل أخرى غير مبيعات النفط. وحتى لو تمكنت من الحصول على قرض لإعادة بناء البنية التحتية، فإنها لم توفر كوادر عاملة قادرة على تنفيذ مشروع بهذا الحجم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock