كتاب وشعراء

طوق نجاة.. بقلم وحيد محمود عيادة

لم تكن الصلاة في الإسلام عبادةً تُؤدَّى على الهامش، ولا فرضًا ثقيلًا يُؤجَّل بالتكاسل، بل كانت – ولا تزال – الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، والعهد اليومي الذي يربط الأرض بالسماء. وقد أراد الله لها مكانة لا تشبه غيرها، ففرضها فوق السماوات السبع ليلة الإسراء والمعراج، لتبقى الصلاة دليل القرب، وعلامة الحب بين العبد وربه.

..قال الله تعالى:وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ،
وجاء الأمر بها مقرونًا بالإيمان في مواضع كثيرة، حتى كأن القلب لا يستقيم إلا بها. وقال رسول الله ﷺ:
رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة،
فإن صلح العمود صلح البناء، وإن مال مال كل ما فوقه.

والصلاة في حقيقتها ليست حركاتٍ ولا ألفاظًا محفوظة، بل *لقاء خاص*، وهدنة سماوية وسط ضجيج الدنيا. ولذلك لم يكن عجيبًا أن يقول النبي ﷺ:
(يا بلال، أرحنا بالصلاة)،
ولم يقل (أرحنا منها)، لأنها لم تكن عبئًا على قلبه، بل راحته، وسكينته، وحديثه الأقرب مع ربه.

هكذا عاشها الصحابة رضي الله عنهم؛ فإذا ضاقت بهم الدنيا، لجؤوا إلى الصلاة قبل أي شيء. كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة،
وكان إذا نزل به همّ، قام إلى الصلاة كأنما يسلّم الأمر كله لله. وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول:
*«من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هذه الصلوات»*.

ومع ذلك… فإن أكثر من تركوا الصلاة اليوم لم يتركوها جحودًا، بل *تكاسلًا*. يعرفون أنها حق، ويوقنون بفضلها، لكن تؤجلهم الحياة، وتسرقهم التفاصيل، حتى تمر الأيام بلا صلاة، ثم يثقل الرجوع، ويظن الواحد منهم أنه ابتعد كثيرًا.

وهنا يجب أن نقول برفق لا بغلظة:
أنت لم تبتعد عن الله كما تتخيل.
والله لم يغلق بابه في وجهك.
ولم يطلب منك الكمال حتى تعود.

الله الذي أمرك بالصلاة هو نفسه الذي قال:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾.
لم يقل: أصلحوا أنفسكم أولًا، ثم تعالوا…
بل قال: *تعالوا*، وأنا أصلحكم.

ابدأ الآن، لا غدًا.
ابدأ بصلاة واحدة، في وقتها، مهما كان قلبك مثقلًا.
قف بين يدي الله كما أنت، بتقصيرك، بتعبك، بندمك الصامت.
ستكتشف أن الصلاة لا تنتظر منك أن تكون صالحًا…
بل هي التي تصنع الصلاح خطوة خطوة.

وفي الختام…
الصلاة ليست واجبًا ثقيلًا على الكسالى، بل طوق نجاة للمتعبين.
هي اللحظة التي تضع فيها جبينك على الأرض، فيرفع الله بها همّك عن قلبك.
هي الدموع التي لا تحتاج شرحًا، والكلمات التي لا تحتاج صياغة.

فإذا سمعت الأذان، فلا تؤجل…
ربما كانت تلك السجدة التي تؤخرها الآن،
هي السجدة التي لو أتيت بها،
عاد قلبك حيًّا،
وعرفت أن الطريق إلى الله لم يكن بعيدًا أبدًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى