حمزه الحسن يكتب : وقاحة المأجور

ليس هناك أكثر صفاقة في العالم من المأجور والخائن العربي لأنه يضع عمالته الطوعية غالباً في اطار وجهة نظر ومصلحة وطنية في حين يختفي المأجور أو العميل والخائن الاجنبي وحتى اليوم في النرويج ومنذ الاحتلال النازي للبلد هناك نساء يخجلن من الاعتراف بأبناء من جنود ألمان رغم مرور كل هذه السنوات خجلاً من المجتمع حتى صدر قرار أخير لغلق ملف العملاء والمتعاونين الذين أعدم بعضهم.
المأجور العربي أقل مستوى من الجاسوس الذي يقبض ثمن خيانته ويتدرب ويتحاشى الانكشاف ويتحرك ضمن سياق مخابراتي وفي بيئة أمنية سرية وبلا غطاء ثقافي او فكري بل وظيفة مقابل مال.
المأجور العربي يتحرك في بيئة ثقافية وسياسية علنية مفتوحة و بــــــــــــــ صفاقة لأنه في بيئة حاضنة ومساندة وداعمة مما تنتج عنها شجاعة القطيع.
لا يرى نفسه حالة معزولة شاذة ومنحرفة بل هو ضمن مشروع لتبرير الجريمة المتعددة الأشكال لكنها في كل صورها تدعم التخريب والدمار وهو يختلف عن الجاسوس الذي يكون مدفوعا بالحاجة الى المال ويبقي عاره داخلياً لكن المأجور العربي يتحرك بدافع الانتقام والحقد وكراهية الجميع بما في ذلك كراهية الذات لأن من المستحيل حسب كل تاريخ البشرية والعلوم والطب أن يكره شخص الناس ويحب أو يحترم نفسه لان آلية الكراهية صفة التعميم ، وعقدة الشعور بالدونية عرض سري تعمل في الخفاء.
الشعور بالعار الداخلي يجعل المأجور يظهر للعلن بوقاحة على انها شجاعة لأنه بارع في خداع الذات والآخرين واثبات ثقة بالنفس لا وجود لها لأن الثقة بالنفس هادئة وعفوية وجميلة وسلسة وصامتة كنبع ماء أو نور يضيء الوجه من الداخل.
هو غير معنى بالمطلق بالكرامة والحياة والديمقراطية لكنه يحتاج الى استعراض ومسرح لانه منسي ومهمل حتى من ذاته المزيفة الاخطر عليه من كل المخاطر.
الجاسوس من أي مكان يرى العمالة سقوطاً ويتخفى في حين المأجور يرى العمالة العلنية ارتقاءً وشجاعةً وتحدياً ويحتاج الى بيئة وجماعة فاسدة من محيط قريب أو بعيد ـــــــــــ منصات، مواقع، احزاب، جماعات ـــــــــ تقوم بدور” غسالة” عاره ويظهر في هوية مختلفة كمحلل للأحداث لكي تصبح العمالة وجهة نظر ولأنه لا يقبض غالباً مالاً، لأنه عمالة تطوعية، فهو يبرر لنفسه ان ما يقوم به هو عمل أخلاقي وسياسي معاً.
الفارق ايضا ان العميل الجاسوس يصمت في نهاية الدور في حين يستمر المأجور بالدور لأن الصمت يعني الانهيار النفسي والجسدي وتفاقم الاحتقار الذاتي لأن لعب دور المحلل والخبير والعارف بالامور يشغله عن نفسه وعن دونيته الخفية وعن ذاته الطبيعية الملغية. الصمت يعني الانتحار. قد توفر له البيئة الحماية مقابل ما يوفر لها من وقاحة ولغة تبرر جرائمها. فكرته عن العدو مرنة ولا تخضع لمعايير العداء كما عرفتها البشرية بل تفرضها ظروف طارئة او رغبات منحرفة او مشاعر كراهية. فرصة لافراغ ذات صفراء شاحبة من أحقاد دفينة.
اذا كان المال يمنح الجاسوس الطاقة والرغبة والحيوية، فإن المأجور يجدها في الكراهية التي تقوم بدور محطة وقود تعبئة لكن هذا النوع من الكراهية المرضية لا ينتهي لذلك يحتاج الى محطات عدة في كل طريق وفي النهاية يكتشف رغم كل الشحن والتعبئة والإطراء انه مرمي كقحف على مزبلة وان الاعداء تفاهموا وان الاصدقاء صاروا أعداءً والحلفاء تجار دم وندماء الامس عثروا على بدائل أفضل لكي يعود غريباً عن نفسه.
العميل المحترف يخاف من انكشاف الواجهة وعلى سمعة الأهل لذلك يعمل بأقصى سرية، أما المأجور فلا يفكر بذلك لأنه يعمل في بيئة مشابهة غير نقية وغير أخلاقية وغير شريفة فلم الحياء والتستر؟
أخطر أنواع المأجورين هو المثقف الكومبرادوري ، الوسيط والمشتري ومسوغ مشروع تدميري، ويقوم بدور سمسار أفكار وتفسير العدوان على انه واقع فرضه حلم الديمقراطية وبطريقة غير مباشرة يصبح العدوان المسلح مشروع تحرير وليس مشروع نهب ، وتصبح لغة المعتدي المزيفة لغة ثقافية وعكس العميل المحترف هو لا يخجل من اعلان ارتباطه بالخارج واجهزتها بل يصرح بفخر ان عنده معلومات سرية ـــــــــــــ كاذبة أصلاً لأن الأعمال السرية تجري في حلقة ضيقة من الرئيس والمخابرات والجنرالات ووزير الخارجية ــــــــــــــــــ وهذا التهريج بعلاقات الخارج للتميز الكاذب لأن أسرار الحروب والأعمال السرية لا يخطط لها في حانات أو مقاهي.
المأجور الوسيط الكومبرادوري يبرر حتى الاحتلال على انه طريق للديمقراطية من قبل قوى غير ديمقراطية بل امبريالية متوحشة ورأسمالية تبحث عن أسواق واستثمار ولا تشتري العدالة بشحاطة حمام واقناع الشعوب انها عاجزة ومتخلفة وبهذه الطريقة في تزييف الوعي يصبح العدو منقذا وصديقاً وقد لا يتقاضى بعض هؤلاء مالاً بل تفتح لهم المنابر والشاشات والجوائز الثقافية ومكافآت شهرية على مقالات ودعوات مدفوعة الثمن والاقامة وطبع كتب وهدايا في اتفاق صامت على انه ثمن الصمت او ثمن الكلام ــــــــــــــــــ لن تجد مقالاً لروائي عربي معروف أو ناقد شهير يتعرض بالنقد لدولة خليجية بل تواطؤ صامت.
علاقة المأجور المحترف بالمشغل علاقة ميكانيكية تقوم على الأوامر كأداة بينما المثقف الكومبرادوري يمارس الخيانة كسلوك وطني اخلاقي تبشيري وكما قيل عنه هو الجسر الذي يعبر عليه المحتلون والنهابون ولا يلبس معاطف الجواسيس بل نظارات المثقف وهو لا يقول الحقيقة ولا يعرفها بل يترجم ما تريده قوى خارجية.
هناك أسماء كثيرة لهؤلاء بعد غزو العراق مثل: أحذية المارينز، وكلاء التمويل الثقافي كواجهة مخابراتية ودورات تعلم اللغة الانكليزية التي تقوم بها السفارة الامريكية في العراق كمثال، المستشرقون وغيرها.
هؤلاء أكثر عملاء العالم صفاقة ووقاحة وهذه الوقاحة لا تصدر من شخص طبيعي بل هي استراتيجية بقاء وتحويل الخيانة الى مشروع تنويري وانقاذ رغم كل تجارب التاريخ الكارثية.
هذا النموذج يقلب كل المفاهيم لكي يسبح في مياه آسنة ويغلفها بمفاهيم الواقعية السياسية وقلب مفهوم التبعية الى مفهوم الشراكة الدولية وبدل السيادة يحل مفهوم الانفتاح وهذا التحريف يضع خصومهم في زاوية اشخاص غير عارفين بتعقيدات العصر التي تتطلب التخلي عن مفاهيم كالسيادة والاستقلال والقرار والثروة الوطنية والكرامة الانسانية تصوّر على انها مفهوم مبالغ فيه من الشرقيين.
تبلغ الصفاقة ذروتها ،عندما يتحول المأجور الطوعي الى ضحية من” غوغاء” هم في الحقيقة يرفضون هذا الاستثمار القذر بالخراب ويصور نفسه كضحية ناس يدافع عنهم والهدف هو تفتيت كل اليقينيات.
هل يخجل المأجور ثانيةً؟ أبدا لا يعرف الحياء الفطري لأن واحدة من أوهامه الكثيرة التي تسوغ له هذه الوقاحة ايمانه إن التاريخ يكتبه المنتصر لا المهزوم وفي داخل هذا التاريخ المزيف هو” بطل” وليس مأجوراً ووقاحة اليوم ستسمى غداً حكمةً وهذا وهم الأوهام لأن زمن كتابة التاريخ من المنتصر انتهى نهائياً وصار الضحايا هم يكتبون ويصورون ويوثقون التاريخ.