وحدة على ضفاف البليخ: سحق الفرنجة في حران

في أواخر القرن الحادي عشر، اجتاح الفرنجة (الصليبيون) أرض #الشام حاملين سيوفهم ، في محاولة للسيطرة على قلب العالم الإسلامي وإقامة ممالك لهم على أنقاض المدن الإسلامية. كان هدفهم الرئيسي التمسك بالساحل المتوسطي لتأمين وصول التعزيزات من أوروبا، واحتلال نقاط استراتيجية تفصل بين القوى الإسلامية لمنع توحدها وقدرتها على المقا..ومة.
بدأت خططهم بسقوط #الرها عام 1098، مما أعطاهم عمقًا داخليًا يهدد التواصل بين العراق والشام. ثم سقطت #أنطاكية في العام نفسه، لتقطع الصلة بين سلاجقة الشام والروم، وتربط بين الرها والساحل الذي يسيطرون عليه. كانت كل خطوة مدروسة لترسيخ وجودهم وتوسيعه.
وفي ربيع عام 1104، قرر بلدوين الثاني، أمير الرها (كونت إديسا)، الزحف نحو #حران، المدينة الاستراتيجية الواقعة على حدود حيوية. فرض حصارًا شديدًا عليها، وبدا سقوطها وشيكًا، مما كان سيفتح الطريق أمام المزيد من الغزو شرقًا ويعزز قبضة الفرنجة على المنطقة بأكملها.
في تلك اللحظة الحرجة، أدرك قائدان مسلمان خطورة الوضع: **سقمان بن أرتق** (معين الدولة)، أمير ماردين وحصن كيفا، الذي عانى من ويلات الاحتلال الفرنجي بعد سقوط بيت المقدس، و**جكرمش** (شمس الدولة)، حاكم الموصل، الذي أدرك أن سقوط حران سيجعل موصله الهدف التالي المباشر.
والمدهش أن الرجلين كانا على وشك الاقتتال فيما بينهما، فقد كان كل منهما يعد جيشه ليهاجم الآخر. لكن الخطر الفرنجي المشترك طغى على العداوات الشخصية. تبادلا الرسائل بسرعة، أعلنا التحالف، ووحدا قواتهما: مزيجًا من العرب والأكراد والسلاجقة والتركمان. كانت هذه أولى بوادر الوحدة الجادة بعد سنوات من التشرذم والصراعات الداخلية.
التقى الجيشان المسلمان على ضفاف نهر البليخ قرب حران. في 7 مايو 1104م (10 شعبان 497هـ)، اندلعت المعركة. استخدم المسلمون تكتيكًا حربيًا ذكيًا: تظاهروا بالانسحاب، فانقاد الفرنجة إلى مطاردة متهورة استمرت أيامًا، أنهكتهم فيها حرارة الشمس والعطش والمسافات الشاسعة. ثم، في لحظة محسوبة بدقة، انقلب المسلمون عليهم بعنف شديد. انهارت صفوف الصليبيين سريعًا، ودارت رحى القتال بشراسة.
سقط بلدوين الثاني أمير الرها، وجوسلين (أمير تل باشر) أسيرين في أيدي المسلمين، بينما فر الباقون – بمن فيهم بوهموند أمير أنطاكية وتانكرد – هاربين في حالة يُرثى لها، تاركين خلفهم غنائم هائلة وأسلحة وكبرياء مهزومًا.
كانت الهزيمة كارثية للفرنجة. توقف زحفهم شرقًا فجأة، واستعاد المسلمون أراضٍ واسعة حول أنطاكية، واضطروا الصليبيين إلى التحول من الهجوم إلى الدفاع. لم تحرر المعركة بيت المقدس مباشرة، لكنها كسرت اندفاع الغزو الفرنجي، وأثبتت درسًا خالدًا: الفرقة تُضعف وتؤدي إلى الهزيمة، أما الوحدة – ولو كانت مؤقتة أمام خطر مشترك – فهي قادرة على قلب الموازين وإلحاق الهزيمة بالغزاة.