السفير أحمد مجاهد يكتب :بعض الملاحظات حول إيران (٢) إيران والتصعيد الأمريكى

١- اليوم التالى؟
رغم ما يوحى به الخطاب الأمريكى من ثقة وحسم، فقد يكون الانطباع السائد بوجود استراتيجية أمريكية متكاملة تجاه إيران مضللًا.
السؤال الحقيقى ليس ما إذا كانت واشنطن قادرة على ممارسة الضغط أو إلحاق الأذى بالنظام الإيرانى، بل ما إذا كانت تمتلك تصورًا عمليًا ومتماسكًا لـ«اليوم التالى» The day after، فى دولة يزيد عدد سكانها عن تسعين مليون نسمة، وتتميز بتعقيد اجتماعى وسياسى وأمنى بالغ.
فى حال افتراض نجاح الولايات المتحدة فى إزاحة القيادة العليا للنظام وإحداث فراغ فى مركز السلطة، وتأليب الشارع عبر استغلال تدهور العملة وصعوبة الأوضاع الاقتصادية، فإن المشكلة لا تكمن فى لحظة السقوط ذاتها، بل فى ما يليها.
أى انهيار لنظام حكم دولة بحجم إيران سيولد فائضا هائلًا من الفوضى سيخرج بالتأكيد عن نطاق الإقليم بأكمله، وسنشهد مرحلة من عدم الاستقرار الإقليمى الجسيم، واضطراب التجارة الدولية فى الخليج والبحر الأحمر، وموجات مليونية من النزوح واللجوء باتجاه العراق وتركيا وأوروبا، وتصاعد مقاومة مسلحة غير مسيطر عليها وعابرة للحدود، فضلًا عن الاهتزازات الحادة فى أسواق النفط والغاز. هذه ليست سيناريوهات نظرية، بل نتائج شبه حتمية لأى فراغ سلطة فى دولة محورية كإيران.
وتزداد خطورة هذا المسار فى ضوء كون إيران دولة مركزية لن يمكن التحكم فى تداعيات انهيارها. فهى تقع فى قلب كتلة جغرافبة اقتصادية وأمنية متصلة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، ومن آسيا الوسطى إلى البحر الأحمر. وأى اختلال كبير فى توازنها الداخلى سينعكس مباشرة على شبكات الطاقة وخطوط الملاحة وسلوك الفاعلين غير الدولتيين فى الإقليم. من هنا، يبدو افتراض إمكانية «احتواء» الفوضى الإيرانية فى “اليوم التالى” أقرب إلى الوهم الاستراتيجى منه إلى الحساب العقلانى.
كما أن الرهان على الضغط الاقتصادى وحده لتفجير الداخل الإيرانى يظل رهانًا محفوفًا بالمخاطر. فالعقوبات القاسية قد تُضعف الدولة، لكنها لا تؤدى بالضرورة إلى إسقاط النظام، بل قد تدفعه إلى مزيد من التشدد الأمنى، وإلى إعادة تعريف الصراع باعتباره معركة بقاء فى مواجهة تهديد خارجى. فى هذه الحالة، تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أداة تعبئة، لا إلى عامل تفكك حاسم.
الأخطر أن تصعيد الحرب الأمريكية الهجينة -الاقتصادية، والدبلوماسية، والاستخبارية، والإعلامية، وربما العسكرية- إلى مستوى السعى لإسقاط النظام، إن تحقق، سيصب فى المقام الأول فى مصلحة الأجندة الإسرائيلية أكثر مما يخدم المصالح الأمريكية المباشرة، وفى مقدمتها استقرار الإقليم.
هذا المسار يعيد إنتاج نمط سبق أن أضعف شرعية القيادة الأمريكية داخليًا، بما فى ذلك داخل قاعدته السياسية الرئيسيةMAGA التى ترفع شعار «أمريكا أولا»، والتى كانت ترى فى تقليص الانخراط الخارجى شرطا لاستعادة القوة الأمريكية، لا العكس.
يزداد المشهد تعقيدًا حين ننتقل إلى سؤال البديل.
فحتى الآن، لا يبدو أن أى بديل مطروح أو مدعوم غربيا -ما فى ذلك بعض رموز العهد الملكى السابق كبهلوى “البهلوان” -أو “الأراجوز”- يمتلك قاعدة اجتماعية حقيقية تمكّنه من السيطرة على الدولة وإعادة إنتاج الشرعية.
الحديث عن جاهزية بدائل معلبة واردة من أحضان الخارج هو أمر أقرب إلى الأمنيات السياسية، خصوصا فى مجتمع “عجنته” الثورة والحروب والعقوبات والحصار، وتشكّل وعيه السياسى فى سياق صراع طويل مع الخارج.
٢- “الغاية النهائية” الأمريكية؟
هنا يبرز السؤال الأكثر صعوبة: ما هى “الغاية النهائية” The endgame الأمريكية؟
هل الهدف إسقاط النظام الإيرانى بالكامل، أم الاكتفاء ب«قطع رأسه» -التخلص من المرشد (الولى الفق
يه) مع الإبقاء على بنيته، بعد تعديل سلوكه وتحالفاته الخارجية-على طريقة مادورو؟ بمعنى آخر، هل تسعى واشنطن إلى تغيير النظام أم إلى مجرد ترويضه وإخراجه من فلك النفوذ الصينى-الروسى، وإعادة دمجه ضمن المجال الأمريكى بشروط إذعان مذلة؟
فى تقديرى، لا تملك الإدارة الأمريكية إجابة واضحة عن هذه الأسئلة، بل يتسم سلوكها بنمط إدارة الملف بدون رؤية واستراتيجية شاملة Muddling through، أى التحرك خطوة بخطوة وفق منطق ردود الفعل والفرص الآنية، لا وفق استراتيجية طويلة المدى. هذا النهج قد يسمح بتحقيق مكاسب تكتيكية سريعة، لكنه يفتقر إلى تصور متماسك لكيفية إدارة التبعات.
وتعزز هذا الاستنتاجَ ظاهرةٌ لافتة تمثلت فى التراجع المفاجئ لدونالد ترامب عن مسار تصعيد كان هو نفسه قد دفع إليه بقوة. هذا التحول السريع، بعد نبرة تهديد مرتفعة وسقف تصعيدى عالٍ، يوحى بأن مسارًا ما قد تعثر أو فشل قبل اكتماله.
أحد التفسيرات المرجحة هو أن الإدارة الأمريكية كانت تختبر سيناريو لزعزعة النظام الإيرانى على نحو حاد، عبر تأجيج الاضطرابات الداخلية، ثم التذرع بسقوط قتلى من المتظاهرين لخلق مظلة أخلاقية وسياسية تبرر عملية عسكرية أمريكية أو أمريكية-إسرائيلية تحت شعار «التدخل الإنسانى». غير أن محدودية النتائج، وخطورة الانزلاق السريع إلى فوضى غير قابلة للاحتواء، دفعت على ما يبدو إلى كبح هذا المسار مؤقتًا.
إلى جانب ذلك، لا يمكن استبعاد أثر ضغوط عربية مباشرة، هدفت إلى إقناع واشنطن بخطورة هذا النهج، وبأن “إيران ليست فنزويلا”، وأن تداعيات سقوط النظام الإيرانى بهذا الأسلوب -إن حدث- لن تكون قابلة للاحتواء.
هذه المقاربة العربية، المنطلقة من حسابات الاستقرار الإقليمى لا من اعتبارات أيديولوجية، لاقت على ما يبدو صدى – لو مؤقت- داخل إدارة ترامب فى لحظة مراجعة الحسابات.
وربما يعكس هذا التراجع إدراكًا متزايدًا لدى بعض العقلاء المؤثرين على ترامب داخل الإدارة الأمريكية بأن الإنصات المفرط للوسوسة الإسرائيلية، والسير خلف منطق الاستدراج والتوريط، قد يزج بالولايات المتحدة فى مسار تصعيدى عظيم التكلفة، تتجاوز مخاطره أى مكاسب تكتيكية محتملة.
فى المحصلة، تكشف المقاربة الأمريكية تجاه إيران عن مفارقة واضحة: تصعيد مرتفع السقف تقابله ضبابية فى الأهداف، وتراجع مفاجئ يعكس غياب تصور متماسك لـ«اليوم التالى».
تتحرك واشنطن -بين إغراء النجاحات التكتيكية السريعة ومخاطر التورط الاستراتيجى- فى منطقة رمادية بالغة الخطورة.
وأخطر ما فى هذا المسار ليس شدته، بل ارتجاليته، وما تتيحه من احتمالات انفلات وانزلاق لا يمكن التحكم فى مساراتها ولا مآلاتها.
ففى حالة دولة بحجم إيران وموقعها، فإن الخطأ فى الحساب ستكون تكلفته جسيمة، و “عابرة للقارات”.