غير مصنف

بيانٌ سِرّيّ لِوَطَنٍ مُحاصَر.. شعر: عبدالكريم بعلبكي

يقولون:
من أجلِ الأمان
نُطفئُ قناديلَ الشرفات،
كي لا تضلَّ الرصاصةُ طريقَها.

يقولون:
من أجلِ السلام
نُدرِّبُ أطفالَنا
على هجاءِ أسمائهم،
كي لا يتعرَّفَ العدوُّ
إلى وجوههم في المرايا.

يقولون:
الحريةُ شجرةٌ خطِرة،
جذورُها تُقلقُ الإسفلت،
فلنزرعْ مكانَها
عمودَ كاميرا
يُزهرُ عيوناً زجاجيّةً
تسهرُ بدلَ النجوم.

أيّها النائمون على حريرٍ،
وطني ليس حقيبةً
يُمرِّرونها عبر جهازِ التفتيش،
ولا قصيدةً
يُشطِّبون منها كلمةَ “لا”
كي تصيرَ مديحاً رسميَّاً
للسورِ العالي.

وطني رغيفُ أمّي
حين تُقسِّمه بين الجوعى
وتقول:
البركةُ في القليل
إذا كان القلبُ كثيراً.

فكيف صار القليلُ
قانوناً،
وصار الكثيرُ
تهمةً؟

في الساحات
يمشون ببدلاتٍ رسميّةٍ،
يُعلِّقون على صدورهم
شاراتِ الرحمة،
لكنَّ أيديهم
بارعةٌ في قياسِ أعناقِ العصافير.

يبتسمون للكاميرات،
كأنّهم أولياءُ نعمةٍ،
ويُوقِّعون باسم الشعب
على غيابه.

كلُّ شيءٍ هنا
مؤجَّلٌ…
حتى الصراخ.

علَّمونا
أن نكتبَ كلمةَ “وطن”
بحبرٍ سِرّيٍّ،
وأن نحبَّه
بصوتٍ منخفضٍ،
كي لا تُتَّهَمَ قلوبُنا
بإثارةِ الشغب.

قالوا:
الخوفُ ضرورةٌ وطنيّةٌ،
والشكُّ فضيلةٌ،
والجارُ احتمالُ خيانةٍ.

فصار البيتُ
ثكنةً،
وصارت الأمُّ
تحرسُ نافذتَها
من نسمةٍ قد تحملُ سؤالًا.

أيّها الوطنُ
المعلَّقُ بين نشيدين،
واحدٌ رسميٌّ
تُصفِّقُ له البنادق،
وآخرُ سِرّيٌّ
تُغنِّيه الجدّاتُ
في أقبيةِ الحنين…

أيّها الواقفُ
كشجرةِ زيتونٍ
في وجهِ العاصفة،
لا تُصدِّقْ
أنَّ السلسلةَ
إسوارةٌ ذهبيّةٌ،
ولا أنَّ القفصَ
تجربةُ طيران.

ثمّةَ مؤامرةٌ
تلبسُ قفّازاتِ الحرير،
تقول لك:
نمْ مطمئنَّاً،
سنحرسُ أحلامك.

لكنّها
تسرقُ الحلمَ من تحتِ وسادتك،
وتتركُ لك
نشرةَ أخبارٍ
بطعمِ الرماد.

يا وطني
يا واقفاً
كجملةِ رفضٍ
في كتابِ الطاعة،

لا تخفْ من ظلِّك،
فهم يريدونك
بلا ظلٍّ،
كي لا يُقاسَ طولُك
عند الظهيرة.

ارفعْ قلبكَ
كعلمٍ
لا يُنكَّس،

وقُلْ…
ولو همساً…

إنّ الوطنَ
ليس مشروعَ أمنٍ،
ولا صفقةَ سلامٍ،
ولا خطبةَ حريةٍ
تُنهيها صافرةُ حارسٍ.

الوطنُ
أن تمشي في شمسِك
بلا إذنٍ،
وأن تقولَ “لا”
فتبقى
واقفةً…
كشجرةٍ
تعرفُ
أنَّ الفأسَ
أضعفُ
من جذورها

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى