تقارير وتحقيقات

الرياض تُعلن “الحرب البحرية”.. وبربرة في مرمى التحالف

كتب:محمد سيد

س، ليس مجرد مناورة بحرية أو رد فعل على صواريخ الحوثي. هو إعلان ناعم، لكنه قاسٍ، بالدخول في سباق تسلح بحري واستخباراتي مفتوح في القرن الإفريقي. الهدف المعلن: تأمين الملاحة. الهدف الخفي، كما تقرؤه المصادر في المنطقة: قطع الطريق على مشروع إسرائيلي – إماراتي في إقليم أرض الصومال الانفصالي.

غيابٌ يُقرأ ألف مرة

انظر إلى قائمة المؤسسين: البحرين، مصر، تركيا، باكستان، قطر، السودان، الصومال، اليمن. ثم انظر إلى الطرف الغائب الأبرز: الإمارات. لماذا؟ أبوظبي ليست بعيدة عن البحر الأحمر، ولديها أسطول حديث. لكنها اليوم موجودة في الجهة الأخرى من المضيق، في ميناء بربرة الاستراتيجي، حيث تتسارع وتيرة الأعمال العسكرية هناك.

العميد الركن فهد المطيري، أحد كبار مساعدي القائد العام للقوات البحرية السعودية، أكد في اتصال هاتفي خاص بـ”الجريدة” أن الاجتماع الذي عُقد في قاعدة الملك فيصل البحرية شهد نقاشاً ساخناً حول كيفية التعامل مع “الوجود الأجنبي” في الصومال، قبل أن يتم الاتفاق على تشكيل غرفة عمليات منفصلة عن التحالف الدولي الحالي. وأضاف المطيري، الذي فضل عدم الخوض في تفاصيل العمليات العسكرية، أن “الرياض لن تسمح بأي وجود عسكري معادٍ على الضفة الإفريقية للمضيق”.

ماذا يريدون في بربرة؟

في ديسمبر الماضي، اعترفت إسرائيل رسمياً بـ”أرض الصومال”. لم تكن مجرد ورقة دبلوماسية. التقارير الاستخباراتية تتحدث عن تحويل مطار بربرة إلى قاعدة عسكرية مشتركة. تخيل معي: منظومات دفاع جوي إسرائيلية على بعد 300 كيلومتر فقط من السواحل الجنوبية للسعودية. هذا ليس تهديداً، بل هو طوق حصار بحري بعكس الاتجاه.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كيف تقبل الرياض بوجود جارتها الخليجية (الإمارات) في قلب هذا المشروع؟ الجواب، في تقديري، أن أبوظبي تراهن على مشروعها الخاص في شرق إفريقيا، بينما تراهن الرياض على وحدة الصومال وسلامة أراضيه. هنا يكمن التناقض الأعمق. المطيري لم يذكر الإمارات بالاسم، لكن لهجته كانت حادة عندما تحدث عن “جهات خليجية تسير في ركب غير عربي”.

الحوثي مجرد شرارة

نعم، الحوثي أعلن حظراً بحرياً على السعودية في 20 يوليو، ونعم، شنت الرياض غارات على الحديدة. لكن هذه التفاصيل أصبحت ثانوية. التحالف الجديد، الذي يضم 43 دولة في مشاوراته، يحاول بناء جدار بحري يمتد من خليج عدن حتى باب المندب. الهدف؟ منع أي دولة من احتكار البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.

الأطراف الداعمة.. أبعادها ليست أمنية فقط

· مصر: تخسر القاهرة نحو 40% من عائدات قناة السويس بسبب التوتر. لكن مشاركتها هنا تحمل رسالة لقائد السيسي بأن الرياض لا تنسى حليفها في مواجهة أي وجود إسرائيلي جنوب سيناء.
· تركيا: أنقرة تدير أكبر قاعدة عسكرية لها في مقديشو. مشاركتها تعني أن أي مساس بالسيادة الصومالية سيقابل بقوة تركية هناك. إنها صفعة مبطنة لأبوظبي.
· باكستان: تمتلك الخبرة في حماية الممرات، لكن وجودها هنا يعني أن إيران ستقرأ المشهد بحساسية شديدة. هل ستكتفي طهران بالمراقبة أم سترد بتحالفات مضادة في هرمز؟

ماذا بعد؟

في رأيي المتواضع، هذا التحالف وُلد ميتاً عسكرياً ما لم يتحول إلى مشروع سياسي. فالتنسيق بين تركيا ومصر وباكستان والسعودية في غرفة عمليات واحدة يبدو حلماً صعباً في عالم مليء بالثنائيات والتناقضات. لكن العميد المطيري بدا واثقاً، قائلاً في نهاية مكالمته: “الانتشار هو اللغة الوحيدة التي تفهمها الجهات التي تراهن على الفوضى”.

لكن الرسالة وصلت: الرياض لم تعد تقبل بتقسيم القرن الإفريقي كما تقسمه الاستعمارات القديمة. هي تعلن اليوم أن البحر الأحمر لن يكون بحيرة إسرائيلية – إماراتية، طالما أن هناك إرادة سعودية تعترض.

الخلاصة القاسية:
إذا استمر الإماراتيون والإسرائيليون في بناء قواعدهم في بربرة، فسينتظرنا أحد احتمالين: إما حرب وكلاء بحرية جديدة، أو اتفاق قمة خليجية يعيد تقسيم النفوذ على مكاتب مغلقة. والأخير هو الأكثر ترجيحاً، لكنه لن يوقف سباق التسلح.

السؤال الأخير:
هل يجرؤ التحالف السعودي الجديد على إيقاف ناقلة نفط إسرائيلية تعبر باب المندب؟ إن فعل، فهو تحالف حقيقي. وإن لم يفعل، فهو مجرد مناورة إعلامية أخرى.


محمود سيد محمد
الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى