تقارير وتحقيقات

صراع المائة عام … كيف تشكّلت حكاية الصراع والسياسة بين السعودية واليمن؟

إذا أردت فهم ما يجري اليوم على الحدود الجنوبية للجزيرة العربية، فلا بد أن تعود بالزمن نحو قرن كامل. فالقصة ليست مجرد حرب اندلعت عام 2015، وإنما حكاية طويلة بين جارَين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ، وحكمت علاقتهما براغماتية سياسية لا تعرف عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، بل مصالح وتحالفات تتغير بتغير موازين القوى.
*************
المشهد الأول: الإمام والملك — حرب 1934
في ثلاثينيات القرن الماضي، كان شمال اليمن خاضعاً لحكم «الإمامة الزيدية» بقيادة الإمام يحيى حميد الدين، بينما كانت المملكة العربية السعودية قد تأسست حديثاً بقيادة الملك عبد العزيز آل سعود. أما جنوب اليمن، فكان واقعاً تحت الاحتلال البريطاني فيما عُرف بـ«محمية عدن».
حاول الإمام يحيى توسيع نفوذه شمالاً في مناطق عسير ونجران وجازان، باعتبارها أراضي يمنية. وفي المقابل، كانت الدولة السعودية الناشئة تعمل على تثبيت حدودها وتوسيع سيطرتها، فتصادم الطرفان وخاضا حرباً قصيرة انتهت بانتصار السعودية.
وفي أعقاب الحرب، وُقّعت «معاهدة الطائف» عام 1934، التي رسمت الحدود بين البلدين وأقرت بتبعية تلك المناطق للسعودية، على أن تُجدّد المعاهدة كل عشرين عاماً.
************
المشهد الثاني: سقوط الإمام والحرب بالوكالة — 1962–1970
في 26 سبتمبر 1962، أطاح عدد من ضباط الجيش اليمني، الذين عُرفوا باسم «الضباط الأحرار»، بنظام الإمامة وأعلنوا قيام «الجمهورية العربية اليمنية» في الشمال. وبذلك تحوّل اليمن إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة.
أرسلت مصر في عهد جمال عبد الناصر عشرات الآلاف من الجنود لدعم الجمهوريين، بينما خشيت السعودية من تمدد المد الناصري الثوري ووصوله إلى حدودها الجنوبية.
وهنا وقع أول التحولات الكبرى في السياسة السعودية تجاه اليمن. فعلى الرغم من حربها السابقة مع الإمام يحيى، سارعت الرياض إلى دعم حفيده الإمام محمد البدر (آخر أئمة المملكة المتوكلية اليمنية). لم يكن ذلك حباً في الإمامة، وإنما محاولة لدرء خطر رأت السعودية أنه أشد تهديداً لها: وجود جيش ثوري ناصري على حدودها.
انتهت الحرب بعد انسحاب القوات المصرية عقب هزيمة يونيو 1967، وصولاً إلى تسوية عام 1970، حين اعترفت السعودية بالجمهورية اليمنية مقابل ضمان أمن حدودها ومصالحها.
*****************
المشهد الثالث: صالح ولعبة التوازنات وزلزال الخليج — 1978–2000
مع وصول علي عبد الله صالح إلى الحكم عام 1978، تبنّت السعودية استراتيجية تقوم على «إدارة الفاعلين» داخل اليمن، من خلال بناء شبكات نفوذ وعلاقات مباشرة مع شيوخ القبائل والقوى الدينية والسياسية.
وكان الهدف ضمان النفوذ السعودي ومنع ظهور دولة يمنية قوية يمكن أن تتحول إلى منافس إقليمي أو مصدر تهديد على الحدود الجنوبية للمملكة.
وفي عام 1990، اتحد شطرا اليمن، الشمالي والجنوبي، لتولد «الجمهورية اليمنية» برئاسة علي عبد الله صالح. لكن فرحة الوحدة لم تدم طويلاً، إذ غزا صدام حسين الكويت بعد أسابيع قليلة.
اتخذ صالح موقفاً عُدّ مؤيداً لصدام حسين، ما أثار غضباً سعودياً وخليجياً واسعاً. وردّت السعودية بإنهاء الاستثناءات التي كانت تتمتع بها العمالة اليمنية وترحيل مئات الآلاف من اليمنيين، وهو ما شكّل صدمة اقتصادية واجتماعية وسياسية كبرى لليمن.
لكن السياسة تتبع المصالح، ولذلك عادت العلاقات تدريجياً إلى مسارها، وتُوّجت المصالحة بتوقيع «معاهدة جدة» عام 2000، التي رسمت الحدود البرية والبحرية بصورة نهائية، وأنهت النزاع الحدودي التاريخي بين البلدين.
************
المشهد الرابع: صعود الحوثيين والانقلاب — 2004–2014
في جبال صعدة شمالي اليمن، كانت حركة دينية وسياسية مسلحة تتشكل تحت اسم «الشباب المؤمن»، قبل أن تُعرف لاحقاً باسم «الحوثيين». تنتمي الحركة إلى البيئة الزيدية، وتتبنى خطاباً معادياً للولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية.
خاضت الدولة اليمنية ضد الحوثيين ست حروب متتالية. وفي الحرب السادسة عام 2009، امتدت المواجهات إلى داخل الحدود السعودية، لتدخل الرياض للمرة الأولى في صدام عسكري مباشر مع الجماعة.
وعندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية في اليمن عام 2011، سعت السعودية إلى احتواء الثورة ومنع وصول القوى الإسلامية إلى السلطة، فرعت «المبادرة الخليجية» التي انتهت بتنحي علي عبد الله صالح ونقل السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي.
وهنا وقع واحد من أكثر التحولات السياسية إثارة في تاريخ اليمن الحديث: تحالف صالح، الذي خاض ست حروب ضد الحوثيين وكان حليفاً للسعودية في مواجهتهم، مع أعدائه السابقين؛ رغبةً في الانتقام من خصومه السياسيين ومن الرياض التي تخلت عنه.
وفي المقابل، وجدت السعودية نفسها متحالفة مع الإمارات وبعض القوى الإسلامية واليمنية في مواجهة التحالف الجديد بين صالح والحوثيين.
استغل الحوثيون هذا التحالف، واقتحموا العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وسيطروا على مؤسسات الدولة ومخازن الأسلحة الثقيلة، لتبدأ مرحلة جديدة تماماً من الصراع.
*************
المشهد الخامس: عاصفة الحزم والتعقيد الميداني — 2015–2026
رأت الرياض في سيطرة جماعة تحظى بدعم من إيران على العاصمة اليمنية، وعلى مساحات واسعة بمحاذاة حدودها الجنوبية، خطراً أمنياً واستراتيجياً مباشراً.
وفي مارس 2015، أطلقت السعودية، على رأس تحالف عربي، «عملية عاصفة الحزم» بهدف الحد من النفوذ الحوثي وإعادة الحكومة المعترف بها دولياً إلى السلطة.
لكن العملية تحولت إلى حرب طويلة ومعقدة وشديدة الكلفة إنسانياً وعسكرياً. أطلق الحوثيون الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه المنشآت الاقتصادية والحيوية داخل السعودية، بينما واصل التحالف شن الغارات الجوية ودعم القوات المناهضة للحوثيين على الأرض.
وبعد سنوات من الحرب، عجزت الرياض عن تحقيق نصر عسكري حاسم أو إحداث تقدم ميداني ينهي سيطرة الحوثيين. وتوقفت الضربات السعودية إلى حد كبير، ودخل الطرفان في هدنة غير معلنة منذ ربيع عام 2022.
استمر هذا الوضع حتى يوليو الماضي، عندما قصفت طائرات سعودية مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية تقل شخصيات يمنية تابعة للحوثيين من الهبوط، بدعوى أنها انتهكت الحظر المفروض على المطار منذ اندلاع الحرب عام 2015.
وردّ الحوثيون بفرض حصار بحري على السعودية عبر باب المندب، لتنفتح جبهة جديدة في الصراع وتتسع المواجهة من الحدود البرية إلى الممرات البحرية.
ومنذ أول أمس، تحاول السعودية، من خلال ما يُعرف بقوات «الحكومة الشرعية»—وهي خليط من القوات النظامية والقبائل والميليشيات المسلحة—تغيير المعادلة الميدانية والضغط على الحوثيين الذين يسعون لترسيخ سيطرتهم ومدها جنوبا إلى باب المندب.
وهكذا تعود العلاقة بين السعودية واليمن إلى دائرتها التاريخية: تحالفات تتبدل، وخصوم يصبحون حلفاء، وحلفاء يتحولون إلى أعداء. فمن الإمام يحيى إلى الحوثيين، ومن الملك عبد العزيز إلى عاصفة الحزم، بقيت القاعدة واحدة: لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، وإنما صراع مستمر على الحدود والنفوذ والأمن وموازين القوة بينما يدفع اليمنيون ثمنا باهظا له.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى