كتاب وشعراء

لا يومَ للأرض.. بقلم الأديب المبدع: شاهد عباس – باكستان

اخترنا لها يوماً،
كما لو أنها تنتظرُ الأسماء،
كما لو أن الرعايةَ موعدٌ نضرِبه.
قُلنا الكلماتِ المناسبة،
كلماتٍ ناعمةً،
وُضِعَت بعنايةٍ
كزهرٍ لا يلمسُ الترابَ أبداً.
ومع ذلك،
ثمةَ قلوبٌ
صامتةٌ، وعنيدة،
تُبقي على جذوةِ نورٍ صغيرٍ حيةً
وتسميها: الأمل.
الأرضُ لا تعيشُ في الأيام،
بل تتحرَّكُ في حقائقَ أكثرَ بطأً؛
في الجبالِ التي لا تتكلم،
في الأنهارِ التي تحملُ أكثرَ من الماء،
في الأشجارِ التي تتذكرُ…
حتى عندما ننسى نحن.
تصلُ هذه المعرفةُ إلى العقل،
لكنها تسقطُ في مكانٍ ما قبلَ أن تبلغَ القلب.
نحن نتنفسُ لأنها تسمحُ لنا،
نعيشُ…
ومازلنا نأخذُ ونأخذ.
ثمة خطأٌ ما فينا:
أن نتكئَ على ما يحملُنا،
ونسميَ ذلك… ثِقلاً!
يوماً ما،
سنرقدُ فيها من جديد،
بلا صوتٍ، وبلا ادعاء.
وستعيدُنا إليها،
بالطريقةِ ذاتِها التي طالما فعلتها؛
بلا أسئلة.
ففي باطنِها،
لا فرقَ بيننا،
ولا أسماءَ تنجو هناك.
أعطتْ دون أن تسأل:
الغابات،
الماء،
السماء…
هذا كافٍ.
ونحنُ نواصلُ تمزيقَها
ببطء،
كما لو أنَّ لا شيءَ ينكسرُ دفعةً واحدة.
تسألُ: “ما الذي سيتغير؟”
لكن الأشياءَ لا تنتهي بصخب،
إنها تغادرُنا…
قطعةً قطعة.
شجرةٌ تختفي،
نهرٌ ينقص،
وهواءٌ…
يصبحُ احتمالُهُ أثقلَ قليلاً.
حتى يأتيَ يومٌ،
لا يكونُ فيه العالمُ هو العالم.
هي ستبقى،
فلديها المتسعُ من الوقت،
أما نحنُ… فلا نملكُه.
إذن، هذا ليسَ من أجلِها،
إنهُ من أجلِنا نحنُ…
إن كنا ما زلنا نريدُ البقاء.

الصمت الذي يتحدَّث

نبضُ قلبٍ رماديٌّ صغير
ناعمٌ، ساكنٌ، ومقدَّس
أنتظرُ حيثُ الجدران
تهمسُ باسمي.

أنتَ لا تتبعُ الوقت،
بل تتبعني..
عبرَ أصداءِ الخطوات،
وعبرَ إيقاعِ العودة.

وعندما أصل
ترتمي في داخلي
كالضياءِ إذ يتعلمُ الفجر،
كالصلاةِ حينَ تُصبحُ مسموعة.

أنتَ تنتظر..
فأصيرُ أنا في وطني.

مَن نحتَ هذا الوعي
في روحِكَ الهادئة؟
أيُّ يدٍ غيرِ مرئيةٍ
علمتْكَ الحبَّ بلا لغة؟

كلَّ صباحٍ
قبل أن تتحركَ الشمس،
قبل أن تتذكرَ السماءُ زُرقتَها
تقفُ بجانبِ نومي،
حارساً صامتاً للأنفاس.

ثابتٌ لا تتزعزعُ
حتى تستيقظَ عيناي
على عالمِك.

أنتَ تنتظر..
فأصيرُ أنا في وطني.

يا معجزةً لطيفة،
تُحوّلُ الغبارَ إلى إخلاص،
والثوانيَ إلى ملاذات،
والعاديَّ إلى مقدَّس.

ربما لم تُرسَل إليّ،
بل ربما أنتَ الرحمةُ ذاتُها،
استعارةٌ حيةٌ
ملفوفةٌ بالدفءِ والعجائب.

أنتَ لا تطلبُ أبداً،
ولا تشتاقُ للمزيد،
لا تقيسُ الحبَّ قطّ
بلغةِ الحاجة.

حتى عندما كنتُ أنكسر،
عندما لم يكن للألمِ نبضٌ،
ولا شِعرٌ..
التمستَ حُضوري،
وبدأ الصمتُ يغني.

أنتَ تنتظر..
فأصيرُ أنا في وطني.

أخبرني..
ماذا يجب أن أناديك؟
حين تنهارُ الأسماء،
وتقصرُ المعاني..

عندما تكونُ كلمةُ “حيوان” أصغرَ بكثير،
وكلمةُ “حب” أخفَّ من
أن تحملَ وزنَك.

الآن أنتَ ترتعد
وأنا أتعلمُ انتظارَك،
بخطوةٍ إثرَ خطوةٍ مضطربة،
ونفَسٍ تلوَ نفَسٍ مستعار.

أجلسُ بجانبِ صمتِك،
أخيطُ الأملَ في السكون،
أستمعُ..
أتعلمُ..
لغةَ وجودِك.

وفجأة..
حركةٌ،
دندنةٌ،
معجزة..

والكونُ
يتجلى داخلَ صدري.

أنتَ تنتظر..
فأصيرُ أنا في وطني.

هذا ليس شعوراً عابراً،
وليس خيطاً واهناً من الوقت،
هذا شيءٌ أعمق،
شيءٌ لا يمكن للموتِ أن يفرّقَه.

يوماً ما
سوف نذوبُ
في الغبارِ والمدى..

لكنَّ هذا..
هذا الحب..
سوف يبقى،
كالضوءِ في الغرفِ المنسية،
كالأصداءِ التي ترفضُ النهايات..
مثل الصمتِ
الذي لايزالُ
يتحدَّث.

كلمات: شاهد عبَّاس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى