
قد تبدو الأخبار القادمة من اليمن متفرقة؛ اشتباكات في الحديدة والضالع، وتحركات عسكرية في مأرب، وتهديدات متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعلان عن تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، إلى جانب تقارير تتحدث عن اتصالات صينية مع الحوثيين.
غير أن قراءة هذه التطورات باعتبارها أحداثًا منفصلة تحجب الصورة الأكبر، فاليمن لم يعد مجرد ساحة حرب داخلية، بل تحول إلى إحدى أهم العقد الجيوسياسية في المنطقة، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية عند باب المندب والبحر الأحمر، أحد أكثر الممرات البحرية أهمية للتجارة العالمية وأمن الطاقة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم الإعلان عن تأسيس تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات بوصفه مجرد استجابة أمنية آنية، بل باعتباره خطوة نحو إعادة تشكيل منظومة أمن البحر الأحمر على أسس أكثر مؤسسية، بعد سنوات من الاعتماد على عمليات منفصلة وترتيبات مؤقتة لمواجهة التهديدات البحرية.
فالبيان التأسيسي للتحالف يركز على حماية حرية الملاحة، وتأمين التجارة الدولية، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتخطيط العملياتي، والتدريب المشترك، وهي مؤشرات تعكس قناعة متزايدة لدى الدول المشاركة بأن التهديدات التي تواجه هذا الممر الحيوي لم تعد ظرفية، بل تمثل تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد.
كما أن تأكيد البيان على أن التحالف لا يستهدف أي دولة يعكس إدراكًا لحساسية التوازنات الإقليمية، لكنه لا يغير من حقيقة أن الدافع الأساسي وراء إنشائه يتمثل في مواجهة التهديدات التي طالت السفن التجارية وطرق التجارة الدولية وإمدادات الطاقة في البحر الأحمر وباب المندب.
ولعل توقيت الإعلان عن هذا التحالف ليس مصادفة، إذ جاء في ظل تصاعد الهجمات التي شهدها البحر الأحمر خلال الفترة الماضية، والتي رفعت كلفة النقل البحري والتأمين وأثرت في حركة التجارة العالمية، ما دفع العديد من الدول إلى البحث عن إطار أكثر استقرارًا لحماية هذا الشريان الحيوي.
وفي الوقت نفسه، تتصاعد المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بينما يظل الحوثيون أحد أبرز الفاعلين في معادلة أمن البحر الأحمر، الأمر الذي يجعل اليمن جزءًا رئيسيًا من حسابات الأمن الإقليمي والدولي.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو التهديدات المنسوبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران مجرد رسائل موجهة إلى طهران، بل تحمل أبعادًا أوسع تستهدف أيضًا شبكة حلفائها الإقليميين، وكذلك القوى الدولية التي قد تسعى إلى بناء تفاهمات مستقلة مع هذه الشبكة.
وفي هذا الإطار، يكتسب التحذير الأمريكي الموجه إلى الصين أهمية خاصة، بعد تداول تقارير إعلامية عن اتصالات بين بكين والحوثيين بهدف ضمان مرور ناقلات النفط الصينية مقابل تفاهمات أو مصالح متبادلة.
وحتى مع غياب تأكيد رسمي لهذه التقارير، فإن مجرد تداولها يعكس قلقًا غربيًا من احتمال نشوء ترتيبات أمنية موازية خارج المنظومة التي تعمل واشنطن وحلفاؤها على ترسيخها في البحر الأحمر.
أما الصين، فهي لا تنظر إلى اليمن من زاوية الصراع العسكري بقدر ما تنظر إليه من زاوية المصالح الاقتصادية.
فهي ليست طرفًا مباشرًا في الحرب، لكنها تعتمد بصورة كبيرة على أمن طرق التجارة وإمدادات الطاقة المارة عبر البحر الأحمر وباب المندب، ولذلك تبقى أولويتها ضمان استمرار حركة التجارة بأقل قدر من المخاطر، سواء عبر التفاهمات الدبلوماسية أو من خلال ترتيبات أمنية تكفل حماية مصالحها.
ومن هنا يمكن فهم الحساسية الأمريكية تجاه أي تقارب محتمل بين بكين وأطراف مرتبطة بإيران، باعتباره احتمالًا قد يمنح الصين هامشًا مستقلًا لحماية مصالحها بعيدًا عن المظلة الأمنية الغربية.
وفي المقابل، شهد دور الحوثيين تحولًا لافتًا خلال السنوات الماضية، إذ انتقل من كونه طرفًا في نزاع داخلي إلى لاعب يمتلك قدرة مؤثرة في ملفات تتجاوز حدود اليمن، بعدما أصبحت عملياته في البحر الأحمر مرتبطة بحسابات التجارة الدولية والطاقة وأسعار الشحن العالمية.
وقد منحهم ذلك حضورًا أكبر في المعادلات الإقليمية، لكنه في الوقت ذاته ضاعف من حجم الضغوط العسكرية والسياسية عليهم، وجعل التحركات العسكرية في الحديدة والضالع ومأرب جزءًا من مشهد أوسع، تسعى فيه الحكومة اليمنية إلى رفع الجاهزية وتعزيز مواقعها، بينما تعمل القوى الإقليمية والدولية على منع تحول البحر الأحمر إلى بؤرة تهدد الاقتصاد العالمي بصورة مستدامة.
ورغم أن اليمن يقف في قلب هذه التحولات، فإنه لا يزال، في كثير من الأحيان، ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين أكثر من كونه طرفًا يصوغ مسار الأحداث بنفسه.
فالحكومة اليمنية ترى في هذه التحركات فرصة لتعزيز موقفها واستعادة مؤسسات الدولة، بينما ينظر الحوثيون إلى قدرتهم على التأثير في أمن البحر الأحمر باعتبارها ورقة ضغط سياسية وعسكرية تعزز موقعهم في أي معادلة قادمة.
أما القوى الإقليمية والدولية، فإن أولويتها الأساسية تظل حماية الممرات البحرية ومنع اتساع رقعة الصراع، حتى وإن تباينت رؤاها بشأن مستقبل اليمن وترتيباته السياسية.
وعند جمع هذه المؤشرات في سياق واحد، تتضح ملامح مرحلة جديدة في البحر الأحمر، فالتحالف البحري متعدد الجنسيات يعكس انتقال المجتمع الدولي من سياسة رد الفعل إلى محاولة بناء منظومة أمنية أكثر استدامة، فيما تحمل الرسائل الأمريكية تجاه إيران أبعادًا تتجاوز الردع العسكري إلى إعادة رسم حدود النفوذ في المنطقة.
أما الحديث عن اتصالات صينية مع الحوثيين، سواء ثبتت تفاصيله أم بقي في إطار التقارير غير المؤكدة، فإنه يعكس تصاعد التنافس بين القوى الكبرى على إدارة أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي ظل هذه المعادلة، لم تعد الجبهات اليمنية مجرد ساحات قتال داخلية، بل أصبحت جزءًا من مشهد إقليمي ودولي تتداخل فيه اعتبارات الأمن البحري، والطاقة، والتجارة العالمية، والصراع على النفوذ.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم لم يعد ما إذا كانت المواجهات ستتوسع، بل ما إذا كان اليمن سيتمكن في نهاية المطاف من الانتقال من موقع الساحة التي تُدار فوقها الصراعات إلى موقع الدولة التي تستعيد قرارها الوطني ومؤسساتها، ليصبح موقعه الجغرافي الاستثنائي مصدرًا للقوة والأمن والاستقرار، بدلًا من أن يظل سببًا لاستمرار الصراع.