
في قلب الأناضول الوسطى، حيث تتمايل التلال الخضراء تحت أشعة شمس الصيف الحارقة، تقع مدينة **#عمورية**، الحصن المنيع الذي كان يومًا رمزًا لقوة الإمبراطورية البيزنطية، ومسقط رأس إمبراطورها **توفيل** (ثيوفيلوس).
في عام **223 هـ** (838 م)، وصل رجل عربي إلى مجلس الخليفة **المعتصم بالله** في #بغداد، وقصّ عليه حكاية أشعلت في صدره نار الغضب. روى الرجل أن امرأة مسلمة (غالبًا هاشمية أو عربية شريفة) وقعت في الأسر بعد هجوم #الروم على مدن الثغور مثل **زبطرة** و**ملطية**، فلطمها رجل من الروم على وجهها، فصرخت مستغيثة: **”وامعتصماه!”**. فسخر منها الرجل قائلًا: “وما يقدر عليه المعتصم؟ أيأتي على فرس أبلق لينصرك؟” ثم زاد في إيذائها.
ارتجف المعتصم غضبًا، وسأل الرجل: “في أي جهة تقع عمورية؟” فأشار الرجل نحو الشمال #الغربي. فالتفت الخليفة نحو تلك الجهة وقال بصوت يهز المجلس: **”لبيكِ… لبيكِ أيتها الجارية، هذا المعتصم بالله قد أجابك!”**
لم ينتظر المعتصم طويلًا. وبعد أن أنهى فتنة **بابك الخرمي**، جمع جيشًا هائلًا لم يُسمع بمثله: عشرات الآلاف من المقاتلين، منهم **اثنا عشر ألفًا** على خيول أبلق (مُرقطة بالأبيض والأسود)، مزينة بألوان تعكس وعد الخليفة بالنصر والعدل. حمل معه آلات الحرب الضخمة: المجانيق، الدبابات، النفط، والعتاد الذي يُبهر الأبصار.
قسم الجيش عند **سروج**؛ فأرسل **الأفشين** (حيدر بن كاوس) في فرقة نحو #أنقرة، وقاد هو الفرقة الرئيسية بنفسه. وفي معركة **دازيمون** (أو آيزن) يوم **25 شعبان**، التقى الأفشين بجيش توفيل، فهزمه هزيمة ساحقة، وفر الإمبراطور إلى #القسطنطينية تاركًا أرضه مكشوفة.
وصل المعتصم إلى أنقرة فوجد أهلها قد فروا، فاستولى على مؤنها وتقوّى بها، ثم واصل الزحف حتى وصل **عمورية** في **6 رمضان** (1 أغسطس 838 م). بدأ حصارًا شديدًا، بينما كان توفيل منشغلًا بثورة في عاصمته، فأرسل اعتذارًا وعرضًا بإعادة الأسرى وبناء ما دُمر، لكن المعتصم رفض وقال: **”لا عذر بعد الفعل.”**
دام الحصار أيامًا، وكان المنجمون يتنبؤون بأن الفتح لن يتحقق إلا في موسم التين والعنب. وفي إحدى الليالي، سمع الخليفة – وهو متخفٍ بين الخيام – غلامًا حدادًا يسخر قائلًا: “في رأس المعتصم ما عنده تدبير يفتح به المدينة!” فاستدعاه في الصباح ووضعه في مقدمة الجيش ليشهد النصر أو الهزيمة.
ثم جاءت اللحظة الحاسمة. أخبر رجل مسلم كان أُسر سابقًا في المدينة، ثم تنصر نفاقًا ثم عاد إلى إسلامه، الخليفة بوجود ضعف في السور: موضع تهدمه سيل قديم، فأُعيد بناؤه بلا أساس قوي. ركّز المعتصم المجانيق على هذا الموضع، فانهار السور بعد قصف متواصل، رغم محاولات الروم سده بالخشب والبرادع. وفي **17 رمضان** (12 أغسطس 838 م)، اقتحم المسلمون المدينة مكبرين مهللين، ودوّت صيحات **”الله أكبر”** في جنباتها.
دخل المعتصم عمورية فاتحًا. استدعى الرجل الذي أخبره عن المرأة، وسار به إلى مكانها، فأخرجها من الأسر وقال لها بلطف: **”يا جارية، هل أجابك المعتصم؟”** ثم أحضر الرجل الذي لطمها وسيده، وجعلهما خادمين لها، ووهبها أموالهما، فردّ إليها كرامتها وحريتها.
أُسر حاكم المدينة **مناطس** (أو ياطس)، وسيق إلى الخليفة مهانًا. حزن توفيل حزنًا شديدًا على سقوط مسقط رأسه، فمرض وتوفي بعد ثلاث سنوات (سنة 842 م) وهو لم يتجاوز الثلاثين.
أراد المعتصم مواصلة الزحف نحو القسطنطينية، لكن مؤامرة من ابن أخيه **العباس بن المأمون** أجبرته على العودة. حمل الغنائم الضخمة، وأحرق ما تبقى لئلا يستفيد منه الروم، وعادت الجيوش ظافرة، وقد أعاد المعتصم للأمة هيبتها، وأجاب صرخة امرأة مظلومة بفتح حصن لم يُفتح من قبل.