تاريخ العرب

الأحنف بن قيس، قصة إذلاله للفرس وجرِّه لقائدهم الهرمزان ذليلًا للفاروق!!!

الأحنف بن قيس يتتلمذ على يدي الفاروق. نحن الآن في أوائل خلافة الفاروق نَضَّر الله وجهه، وها هم أولاء الأنجاد الأمجاد رهط الأحنف بن قيس من بني تميم، يمتطون صهوات الخيول الصافنات، ويتقلدون السيوف الرقاق المرهفات، ويرحلون عن منازلهم في الأحساء ونجد، ميممين وجوههم شطر البصرة، يريدون الانضمام إلى جموع المسلمين المحتشدين هناك تحت قيادة عتبة بن غزوان، لقتال الفرس جهاداً في سبيل الله، وطلباً لما عند الله من حسن الثواب، وكان معهم فتاهم الأحنف بن قيس.
وفي ذات يوم، تلقى عتبة بن غزوان كتاباً من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يأمره فيه بأن يرسل إليه عشرة من صلحاء عسكره وأحسنهم بلاء في القتال، ليقف منهم على أحوال الجيش، وليتملى مما عندهم من رأي ومشورة. فصدع عتبة بالأمر وجهز عشرة من صفوة رجاله، وجعل بينهم الأحنف بن قيس، ووجههم إلى المدينة.
مثل رجال الوفد بين يدي أمير المؤمنين، فرحب بهم وأدنى مجالسهم، ثم سألهم عن حوائجهم وحوائج عامة الناس. فنهضوا إليه تباعاً وقالوا: “أما عامة الناس فأنت وليهم وصاحب شؤونهم، وأما نحن فنتكلم عن خاصة أنفسنا”. ثم طلب كل منهم حاجته التي تعنيه. وكان الأحنف بن قيس آخر رجال الوفد كلاماً لأنه كان أصغرهم سناً، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: “يا أمير المؤمنين، إن جند المسلمين الذين حلوا في مصر قد نزلوا في الخضرة والنضرة والخصب من منازل الفراعنة، وإن الذين حلوا في ديار الشام قد نزلوا في الرغد والثمار والرياض من منازل القياصرة، وإن الذين حلوا في ديار الفرس قد نزلوا على ضفاف الأنهار العذبة والجنان الوارفة من منازل الأكاسرة.
لكن قومنا الذين حلوا في البصرة قد نزلوا في أرض هشاشة نشاشة، لا يجف ترابها ولا ينبت مرعاها، أحد طرفيها بحر أجاج، وطرفها الآخر فلاة قفر. فأزِلْ يا أمير المؤمنين ضرهم، وأنعش حياتهم، ومر واليك على البصرة أن يحفر لهم نهراً يستعذبون منه الماء، ويسقون الأنعام والزرع، فتحسن حالهم ويصلح عيالهم، وترخص أسعارهم، ويستعينوا بذلك على الجهاد في سبيل الله”.
فنظر إليه عمر في إعجاب وقال لرجال الوفد: “هل لا فعلتم فعل هذا؟ إنه والله لزيد”. ثم قدم لهم جوائزهم، وقدم للأحنف جائزته. فقال الأحنف: “والله يا أمير المؤمنين، ما قطعنا إليك الفلوات ولا ضربنا للقائك أكباد الإبل في البكور والعشيات لنيل الجوائز، وما لي من حاجة لديك إلا حاجة قومي التي ذكرت، فإن تقضيها لهم تكن قد كفيت ووفيت”. فازداد عمر إعجاباً به وقال: “هذا الغلام سيد أهل البصرة”.
ولما انفض المجلس وهم رجال الوفد بالانصراف إلى رواحلهم ليبيتوا عندها، أجال عمر بصره على حقائبهم، فرأى طرف ثوب خارجاً من إحداها. فقام فلمسه بيده وقال: “لمن هذا؟” فقال الأحنف: “لي يا أمير المؤمنين”. وقد أدرك أنه استقله. فقال له عمر: “بكم اشتريته؟” فقال الأحنف: “بثمانية دراهم”. ولم يعرف عن نفسه أنه كذب في حياته كلها غير تلك الكذبة، ذلك لأنه اشتراه باثني عشر درهما.
فنظر إليه عمر في رفق وقال: “هل اكتفيت بواحد ووضعت فضلة مالك في موضع تعين به مسلماً؟ ثم قال: خذوا من أموالكم ما يصلح شأنكم، وضعوا الفضول في مواضعها تريحوا أنفسكم وتربحوا”. فأطرق الأحنف حياء منه ولم يقل شيئاً.
أذن أمير المؤمنين لرجال الوفد بالعودة إلى البصرة، غير أنه لم يسمح للأحنف بالبراح معهم، واستبقاه عنده حولاً كاملاً. فلقد أدرك عمر بثاقب نظره ما توافر للفتى التميمي من حدة الذكاء ونصاعة البيان وسمو النفس وعلو الهمة وغنى المواهب، فأراد أن يبقيه قريباً منه ليصنعه على عينه، وليلقى كبار الصحابة فيهتدي بهديهم ويتفقّه في دين الله على أيديهم. ثم إنه كان يريد أن يختبره عن كثب، وأن ينفذ إلى دخيلة نفسه قبل أن يوليه بعض شؤون المسلمين.
ذلك لأن عمر كان يخشى من الأذكياء الفصحاء أشد الخشية، فهم إذا صلحوا ملأوا الدنيا خيراً، وإذا فسدوا كان ذكاؤهم وبالاً على الناس. ولما انتهى الحول، قال عمر للأحنف: “يا أحنف، إني قد بلوتك واختبرتك فلم أرى إلا خيراً، وقد رأيت علانيتك حسنة، وإني لأرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك”. ثم وجهه لحرب الفرس، وكتب لقائده أبي موسى الأشعري: “أما بعد، فأدني الأحنف ابن قيس منك وشاوره واسمع منه”.
انضوى الأحنف تحت ألوية المسلمين المشرقة المغربة في بلاد فارس، وأبدى من ضروب البطولات ما جعل سهمه يعلو ونجمه يتألق. وأبلى هو وقومه بنو تميم في قتال العدو أكرم البلاء، وبذلوا أسخى البذل، حتى فتح الله على أيديهم مدينة تستر، درة التاج الكسروي، وأوقع في أسرهم الهرمزان.
كان الهرمزان من أشد قواد الفرس بأساً وأقوى أمرائهم شكيمة وأمضاهم عزيمة وأوسعهم مكيدة في الحروب. وقد ألجأته انتصارات المسلمين إلى مصالحتهم أكثر من مرة، غير أنه كان يغدر بهم كلما سنحت له الفرصة وظن أنه قادر على النصر. فلما أطبقوا عليه في تستر، تحصن منهم في برج من أبراجها الممنعة وقال لهم: “إن معي مئة سهم، ووالله ما تصلون إلي ما دام في يدي شيء منها، وأنتم تعلمون أن راميها لا تخطئ له رمية. فما جدوى أسركم إياي بعد أن أصيب مئة منكم بين قتيل وجريح؟”.
فقالوا: “وماذا تريد؟”. فقال: “أريد أن أنزل على حكم خليفتكم عمر، وليفعل بي ما يشاء”. فقالوا: “لك ذلك”. فرمى بقوسه على الأرض ونزل إليهم مستسلماً. فشدوا وثاقه، وأرسلوه إلى المدينة مع وفد من أبطال الفتح، وكان على رأسهم أنس بن مالك خادم الرسول عليه الصلاة والسلام، والأحنف بن قيس تلميذ المدرسة العمرية.
مضى الوفد يحث الخطاب بالهرمزان نحو المدينة، ليبشر أمير المؤمنين بالفتح، ويحمل إلى بيت مال المسلمين خمس الغنائم، وليسلم ناكث العهود خان الذمم إلى الخليفة ليحكم عليه بحكمه. فلما بلغوا حواشي المدينة، أعدوا الهرمزان ليعرضوه أمام المسلمين على هيئته، فألبسوه ثيابه المنسوجة من ثمين الديباج الموشاة بخيوط الذهب، ووضعوا على رأسه تاجه المرصع بالدر والجواهر، وقلدوه صولجانه المصنوع من الإبريز المكلل باليواقيت واللآلئ.
فما إن وطئت أقدامهم أرض يثرب حتى تجمع الناس عليهم شيباً وشباناً، وجعلوا ينظرون إلى أسيرهم ويعجبون من هيئته وزيه أشد العجب. توجه الوفد بالهرمزان إلى دار عمر فلم يجدوه، فسألوا عنه فقيل لهم: “إنه مضى إلى المسجد ليستقبل وفداً قدم عليه”. فاتجهوا إلى المسجد فلم يروه هناك.
وكانوا كلما طال بهم البحث عن الخليفة تكاثر الناس عليهم واشتد ازدحامهم. وفيما هم في حيرتهم هذه، رآهم صبية صغار يلعبون فقالوا لهم: “ما شأنكم؟ نراكم ذاهبين آيبين، لعلكم تريدون أمير المؤمنين؟”. فقالوا: “نعم نريده”. فقالوا: “إنه نائم في ميمنة المسجد”.
وكان عمر رضوان الله عليه قد خرج للقاء وفد من أهل الكوفة في بُرْنُس له، فلما انصرف الوفد خلع البرنس ووضعه تحت رأسه، وأسلم جفنيه إلى الكرى. فانطلق الوفد بالهرمزان إلى ميمنة المسجد، فلما رأوا الخليفة نائماً جلسوا دونه وأجلسوا أسيرهم معهم.
لم يكن الهرمزان يفقه شيئاً من العربية، وما كان يخطر بباله أن هذا النائم في ناحية المسجد هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. حقاً إنه كان قد سمع عن تقشف عمر وزهده في زخرف الدنيا وزينتها، لكنهما كان يتخيل – مجرد تخيل – أن ينام قاهر الروم وكاسر الأكاسرة في طرف المسجد من غير غطاء ولا وَكَاءٍ ولا حرس ولا حجاب.
ولما رأى القوم يجلسون صامتين ظنهم يتأهبون للصلاة ويترقبون قدوم الخليفة. لكن الأحنف بن قيس جعل يشير إلى الناس أن يمسكوا عن الكلام ويكفوا عن الجلبة لكي لا يوقظوا الخليفة، فقد كان يعلم من صحبته له أنه قلما يمتعض له جفن في ليل، فهو إما قائم في محرابه يعبد الله، أو متخفٍ في ثيابه يجوب أحياء المدينة ليعرف أحوال الرعية، أو عَسَسٌ يحرس بيوت المسلمين من الطُرق.
فآثرت إشارات الأحنف للناس انتباه الهرمزان، فالتفت إلى المغيرة بن شعبة (وكان يعرف الفارسية) وقال: “من هذا النائم؟”. فقال له المغيرة: “إنه أمير المؤمنين عمر”. ففغر الهرمزان فمه دهشة وقال: “عمر؟ أين حرسه وحجابه؟”. فقال له المغيرة: “ليس له حارس ولا حاجب”. فقال الهرمزان: “ينبغي أن يكون نبياً”. فقال المغيرة: “بل يفعل فعل الأنبياء، إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم”.
ثم كثر الناس وارتفعت الجلبة، فاستيقظ عمر واستوى جالساً ونظر إلى الناس في دهشة، فرأى الأمير الفارسي وعلى رأسه تاجه المتوهج تحت أشعة الشمس، وفي يده صولجانه الذي يخطف بريقه الأبصار. فحدق فيه وقال: “الهرمزان؟”. فقال له الأحنف: “نعم يا أمير المؤمنين”.
فتأمل عمر ما عليه من الذهب واللآلئ واليواقيت والحرير، ثم أشاح بوجهه عنه وقال: “أعوذ بالله من النار، وأستعين به على الدنيا. الحمد لله الذي أذل هذا وأشياعه للإسلام”. ثم قال: “يا معشر المسلمين، تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدي نبيكم الكريم، ولا تَغُرَّنَّكم الدنيا فإنها غرارة”.
فلما فرغ من كلامه، بشره الأحنف بن قيس بالفتح، وأخبره بما أفاء الله على المسلمين من الغنائم، وقال له: “يا أمير المؤمنين، إن الهرمزان قد استأسر لنا وطلب أن ينزل على حكمك فيه، فكلمه إذا شئت”. فقال: “لا أكلمه حتى تخلعوا ما عليه من مظاهر البطر والأشر”. فخلعوا عنه حليته وتاجه، وأخذوا منه صولجانه، وألبسوه ثوباً صفيقاً يستر جسده.
عند ذلك التفت إليه عمر وقال: “هيه يا هرمزان، كيف وجدت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟”. فأطرق الهرمزان في ذلة ثم قال: “يا عمر، لقد كنا في الجاهلية نحن وإياكم ولم يكن الله معنا ولا معكم، فغلبناكم. فلما أسلمتم وصار الله معكم غلبتمونا”. فقال له عمر: “لقد غلبتمونا لهذا الذي ذكرت، ولأمر آخر هو اجتماعكم وتفرقنا”.
ثن نظر إليه بشدة وقال: “ما عذرك في انتقاضك المرة تلو المرة يا هرمزان؟”. فقال الهرمزان: “أخاف أن تقتلني”. فقال عمر: “لا بأس عليك حتى تخبرني”. فلما سمع الهرمزان ذلك من عمر هدأ روعه بعض الشيء وقال: “إني عطشان”. فأمر عمر أن يسقوه، فأتي له بماء في قدح غليظ فتأمله وقال: “لو مت عطشاً لم أستطع أن أشرب في مثل هذا الإناء”. فأمر عمر فأتي له بماء في إناء يرضاه.
فلما أخذه في يده، جعلت يده ترتجف. فقال له عمر: “ما بك؟”. فقال: “إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب هذه الجرعة من الماء”. فقال له عمر: “لا بأس عليك حتى تشربها”. فما كان من الهرمزان إلا أن كفأ الإناء وسفح الماء. فقال عمر: “أحضروا له ماء غيره، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش”. فقال الهرمزان: “لا حاجة لي بالماء، وإنما أردت أن أستأمن به على نفسي من القتل”. فقال له عمر: “إني قاتلك”. فقال الهرمزان: “لقد أمنتني”. فقال عمر: “كذبت”. فقال أنس بن مالك: “صدق يا أمير المؤمنين، فقد أمنته”.
فقال عمر: “ويحك يا أنس، أؤمن قاتل أخيك البراء بن مالك؟ هيهات!”. فقال أنس: “لقد قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني، وقلت له: لا بأس عليك حتى تشرب الماء”. وأيد الأحنف قول أنس، وأقر الحاضرون بأن أمير المؤمنين قد أمن الهرمزان.
فنظر عمر إلى الهرمزان مغضباً وقال: “لقد خدعتني، وإني والله لا أنخدع إلا لمسلم”. فأسلم الهرمزان، وفرض له عمر ألفين. لقد كان يقلق بال عمر كثرة نقض الفرس لعهودهم مع المسلمين وانقلابهم عليهم.
فجمع عمر رجال الوفد الذي قدم مع الهرمزان وقال لهم: “أيؤذي المسلمون أهل الذمة ويسيئون معاملتهم فينتقضوا عليهم؟”. فقال رجال الوفد: “والله يا أمير المؤمنين، ما نعلم أن أحداً أساء لهم معاملة، أو خفر لهم ذمة، أو غشهم في عقد”. فقال عمر: “فما لهم ينقلبون عليكم كلما سنحت لهم الفرصة، على الرغم مما بينكم وبينهم من عقود؟”.
فأجاب الوفد بكلام لم يقنع عمر ولم يسترح له. عند ذلك قام الأحنف بن قيس وقال: “أنا أخبرك بما سألت عنه يا أمير المؤمنين”. فقال: “هات ما عندك”. فقال: “إنك يا أمير المؤمنين قد نهيتنا عن الانسياح في بلاد الفرس، وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا من أراضيهم ومدنهم. وإن الفرس ما دام لهم ملك حي وملك قائم، فسيقاتلوننا الكرة تلو الكرة لاسترجاع ما في أيدينا من قومهم وديارهم، وسينضم إليهم من عهدنا كلما دعاه الداعي ولاحت له فرصة النصر”.
“وإنه يا أمير المؤمنين لا يجتمع ملكان في أرض واحدة، فلابد أن يخرج أحدهم الآخر. فلو أذنت لنا بالانسياح في بلادهم حتى نقضي على ملكهم ونزيل ملكهم، لانقطع رجاؤهم وسكن جأشهم واستتب لنا الأمر”.
فأطرق عمر لحظة ثم قال: “لقد صدقني الأحنف، وكشف لي ما غاب عني من سداد القول”. وبعد، فقد كان لموقف الأحنف هذا ما بعده، وكان من أثر هذا الرأي أن غير مجرى التاريخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى