
كانت مريم جمالًا لا يحتاج إعلانًا. جمالها لا يقتحمك بل يستدرجك. عيناها العربيتان كانتا نافذتين على شرقٍ كامل؛ دفء، شجن، وصبر طويل. فيهما شيء من ليالي القاهرة القديمة، وشيء من حكايات الجدات التي لا تنتهي. فمها مرسوم كعنقود عنب ناضج، إذا ابتسمت شعرت أن العالم يلين قليلًا، وأن القسوة تأخذ استراحة قصيرة. ضحكتها كانت قصة أخرى؛ ضحكة تسافر دون تأشيرة، تطوف الدنيا ثم تعود محمّلة بخفة نادرة، كأنها تقول إن في الحياة ما يستحق البقاء.
أما روحها، فكانت الأجمل. حديثها هادئ لا يعرف الصراخ، راقٍ بلا تكلف، وقلبها يحمل عطرًا خفيًا، يفيض حبًا على الجميع دون تمييز. كانت مريم إنسانًا قبل أن تكون امرأة، وسلامًا قبل أن تكون حبيبة.
يوسف أحبها كما تُحَب الأشياء التي نخاف عليها من الانكسار. عشق صامت، محاصر بقيود اجتماعية لا ترحم. لم يعلن، لم يصرخ، اكتفى بالتلميح، بالرسائل اليومية، بالوجود الدائم من بعيد. كان يعرف أن كلمة واحدة زائدة قد تهدم هذا التوازن الهش، فاختار الصمت النبيل.
وفي قلب هذا الصمت، اكتشف يوسف أن حكايته ليست استثناءً.
هناك حب آخر، أكبر، أوسع، وأكثر منعًا… فلسطين.
فلسطين ليست حبيبة يوسف وحده.
هي حبيبة كل مسلم، كل عربي، كل إنسان حر ما زال يرى الظلم ظلمًا، والدم دمًا. ومع ذلك، فهي أيضًا عشق ممنوع.
مسموح لك أن تحزن من أجلها،
لكن غير مسموح لك أن تغضب بما يكفي.
مسموح لك بالدعاء،
لكن ممنوع عليك أن تطالب بالعدل كاملًا.
العالم يسمح بالعاطفة المشروطة، ويجرّم الفعل الصادق. يسمح بالدمعة، ويخاف من الموقف. وهنا يلتقي الطريقان؛ كما لا يستطيع يوسف أن ينزل بحبه لمريم إلى أرض الواقع، لا يستطيع الملايين أن ينزلوا بحبهم لفلسطين إلى واقع يوقف الإبادة والدمار.
كلاهما حب حي،
كلاهما محاصر،
كلاهما متهم بأنه غير مناسب في هذا التوقيت.
المفارقة الساخرة أن الحب صار تهمة، وأن الدفاع عن الجَمال والحق يحتاج تصريحًا. كوميديا سوداء تضحك بمرارة؛ عالم يطالبك بأن تكون إنسانًا، ثم يعاقبك حين تمارس إنسانيتك كاملة.
ومع ذلك، لم يتراجع الحب.
لم ينسحب من قلب يوسف،
ولم يغادر قلوب الأحرار.
بقي عشق مريم نهرًا صامتًا،
وبقي حب فلسطين صلاة جماعية مكتومة،
لا تُذاع على الشاشات، لكنها ترتفع كل ليلة.
حبّان على قائمة المنع،
لكن القلوب لم توقّع على قرار المنع.
وما دام الحب حيًا في الصدور،
فإن النور، مهما تأخر، لا بد أن يأتي.