رؤي ومقالات

د. فيروز الولي تكتب :حين تفكّر الدول… وحين “تتفكّك” الأفكار

ما فائدة المراكز البحثية في صناعة القرار العالمي؟ ولماذا تُهمَّش في دول العالم الثالث؟

في العالم المتقدّم، لا يُتخذ قرار إلا بعد أن يمرّ على طاولة باحث، ثم لجنة، ثم مركز تفكير، ثم سيناريوهات، ثم محاكاة، ثم اختبار آثار القرار بعد عشر سنوات.
أمّا في كثير من دول العالم الثالث، فالقرار يُتخذ بعد فنجان قهوة، مزاج متقلّب، أو مكالمة هاتفية، ثم يُطلب من الإعلام تبريره، ومن الشعب الصبر عليه.
هنا، يصبح السؤال مشروعًا وساخرًا في آن واحد:
ما فائدة المراكز البحثية عالميًا، إذا كانت في عالمنا الثالث مجرد ديكور نخبوي أو مقبرة للأفكار؟
أولًا: تعريف المراكز البحثية – لغة واصطلاحًا
لغةً:
المركز: موضع الشيء، قلبه، أو ما يُدار حوله.
البحث: التقصّي، التفكّر، والتحليل للوصول إلى معرفة أو حقيقة.
اصطلاحًا:
المراكز البحثية (Think Tanks) هي مؤسسات علمية مستقلة أو شبه مستقلة، تُعنى بدراسة الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، وتقديم تحليلات، سيناريوهات، وتوصيات لصنّاع القرار، مبنية على البيانات لا الأهواء، وعلى المعرفة لا الولاءات.
ببساطة:
هي العقل الجماعي للدولة، حين تقرر أن تفكّر بدل أن ترتجل.
ثانيًا: لماذا تُعدّ المراكز البحثية ركيزة في صناعة القرار العالمي؟
في الدول الكبرى، المراكز البحثية ليست ترفًا ثقافيًا، بل سلاحًا استراتيجيًا ناعمًا:
تصنع القرار قبل أن يولد
القرار لا يفاجئ المجتمع، لأنه مرّ مسبقًا عبر دراسات الأثر الاجتماعي والاقتصادي.
تقلّل الكوارث
كثير من الحروب، الأزمات المالية، والسياسات الفاشلة تم تفاديها لأن مركزًا بحثيًا قال:
“هذا القرار سيكلّفكم أكثر مما تتوقعون”.
تدير المستقبل لا الحاضر فقط
الغرب لا يسأل: ماذا نفعل الآن؟
بل: ماذا سيحدث بعد 5 و10 و30 سنة؟
تفصل المعرفة عن السلطة
الباحث لا يحتاج أن يكون وزيرًا، والوزير لا يدّعي أنه خبير في كل شيء.
ثالثًا: لماذا تُهمَّش المراكز البحثية في دول العالم الثالث؟
هنا تبدأ الكوميديا السوداء.
1. لأن السلطة تخاف من العقل
المراكز البحثية تطرح أسئلة محرجة:
لماذا فشل القرار؟
من المستفيد؟
ما البدائل؟
والسلطة في العالم الثالث لا تحب الأسئلة…
تحب التصفيق.
2. لأن القرار شخصي لا مؤسسي
في كثير من الدول:
القرار = رأي الزعيم
الخطة = خطبة
الاستراتيجية = “توكلنا على الله”
فأين يُوضع الباحث؟
في الصف الخلفي… أو خارج القاعة.
3. لأن الكفاءة تهديد
الباحث يملك أرقامًا، والنافذ يملك نفوذًا.
والنفوذ لا يحب من يكشف عُريه العلمي.
4. لأن الثقافة السياسية لا تؤمن بالعلم
في ثقافة الارتجال:
التجربة تُسبق الدراسة
الفشل يُبرر بالمؤامرة
والكارثة تُسمّى “تحديًا”
رابعًا: الأثر الاجتماعي والاقتصادي لتهميش المراكز البحثية
سياسات فاشلة تتكرر
نفس الأخطاء، نفس الوجوه، نفس النتائج… مع وعود جديدة.
اقتصاد بلا بوصلة
قرارات مالية دون دراسات أثر → تضخم، بطالة، فقر.
مجتمع يُدار بالعاطفة لا المعرفة
الإعلام يصرخ، والخطاب يشحن، ولا أحد يحلّل.
هجرة العقول
حين لا يُسمع للباحث، يهاجر…
وتبقى الدولة بلا عقل.
خامسًا: البعد الثقافي – لماذا نحب “الزعيم العبقري” ونكره المؤسسة؟
ثقافيًا، في العالم الثالث:
نحب القائد “الملهم”
نكره العمل الجماعي
نُقدّس الشخص
ونشكّك في المعرفة
المركز البحثي يقول:
“لا أحد يملك الحقيقة كاملة”
وهذه جملة خطيرة في أنظمة تحب أن تقول:
“نحن نعرف كل شيء”.
سادسًا: المفارقة الساخرة
في العالم المتقدّم:
تُموَّل المراكز البحثية لتنتقد الحكومة.
في العالم الثالث:
تُموَّل (إن وُجدت) لتُجمّل الحكومة.
هناك:
الباحث يقول للحاكم: أخطأت.
هنا:
الباحث يقول للحاكم: عبقري… حتى في الخطأ.
الخاتمة:
المراكز البحثية ليست أوراقًا على رفوف، ولا ندوات للنخبة، ولا تقارير تُدفن في الأدراج.
هي ميزان عقل الدولة.
وحين تُهمَّش:
لا يموت الباحث فقط،
بل يموت القرار الرشيد،
ويتحوّل الوطن إلى حقل تجارب،
والشعب إلى فأر مختبر.
الدول التي تحترم نفسها تفكّر قبل أن تقرر.
والدول التي لا تفكّر… تدفع الثمن.
وفي العالم الثالث، للأسف،
ما زلنا ندفع…
لأننا نصرّ على أن نفكّر بعد الكارثة، لا قبلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى