
في متابعتي لمباريات كأس إفريقيا لكرة القدم، لم أكن أتابع مجرّد كرةٍ تتقاذفها الأقدام، بل كنتُ أراقب ـ بحسرةٍ متزايدة ـ ما يتسرّب من تحت المدرّجات إلى الوعي الجمعي: شقوقًا في الروح، وتصدّعاتٍ في المعنى، ونيرانًا صغيرة تُشعلها العصبيّة ثم تتركها تحترق في جسد العلاقات بين شعوبٍ يفترض أنّها شقيقة في الذاكرة والمصير.
لقد تحوّلت بعض هذه التظاهرات الرياضية، مع الأسف، من فضاءٍ للفرح والتنافس النبيل إلى مسرحٍ لإثارة النعرات القُطرية، وإيقاظ الأحقاد الطائفية، واستدعاء الخلافات السياسية إلى حيث لا ينبغي لها أن تكون. صار الجمهور الكروي، في لحظات التشنّج والانفعال، يُفرغ ما فيه من غضبٍ مكبوت، فيخلط بين الهزيمة الرياضية والهزيمة الوجودية، وبين هدفٍ ضائع وكرامةٍ موهومة، فتُقال كلمات لا تُقال، وتُرفع شعارات لا تشبه إلا الخسارة الأخلاقية.
ومع كلّ ذلك، يمكن ـ على مضض ـ تفهّم صدور هذه السلوكيات عن جمهورٍ متعصّب، تحكمه اللحظة، وتستدرجه الغريزة، وتغلبه الحماسة العمياء، دون أن يملك أدوات النقد أو مسافة الوعي. غير أنّ المأساة الحقيقية، والجرح الأعمق، هو انخراط بعض المثقفين، ممّن يُفترض أنّهم ينتمون إلى النخبة الثقافية، في هذا التيار الخلافي المشحون بالكراهية والتحريض على التفرقة، وكأنّ الثقافة عندهم قميصٌ يُخلع عند أول مباراة، والعقلُ رفاهيةٌ مؤجّلة إلى ما بعد صافرة الحكم.
هنا يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون فكريًا: ما قيمة المثقف إن لم يكن ضميرًا نقديًا في زمن الانفعال؟ وما جدوى المعرفة إن لم تتحوّل إلى حكمةٍ تضبط اللسان وتُهذّب الموقف؟ لقد كان الأجدر بالمثقف الحقيقي أن ينأى بنفسه عن هذه الصغائر، لا تعاليًا، بل مسؤولية ، وأن يتخذ لنفسه دور الواعظ بالمعنى الثقافي العميق، ذاك الذي يُعيد الأمور إلى نصابها، ويذكّر بأنّ الرياضة لعبة، وأنّ الأوطان لا تُختزل في نتائج، وأنّ الشعوب لا ينبغي أن تتخاصم لأنّ كرةً عبرت خطًّا أبيض أو أخطأت المرمى.
إنّ المثقف، في لحظات كهذه، ليس مشجّعًا إضافيًا يصرخ أعلى من الآخرين، بل هو مساحة عقل داخل الضجيج، ونقطة ضوء في عتمة التعصّب، وصوتٌ يقول: يمكننا أن نختلف دون أن نتشظّى، وأن نشجّع دون أن نكره، وأن نفرح دون أن نُهين الآخر.
ومع الأسف، باتت هذه التظاهرات الرياضية، حين تُفرَّغ من قيمها الجمالية والإنسانية، معولَ هدمٍ لا بناء، وسببًا من أسباب الفرقة بين أبناء الأمة الواحدة، بدل أن تكون جسرًا للتلاقي والتعارف. والخطر ليس في كرة القدم ذاتها، بل في ما نُسقطه عليها من عقدنا وهشاشتنا وغياب وعينا.
لعلّنا نحتاج، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة المعنى: أن نعيد للرياضة روحها، وللثقافة دورها، وللمثقف مكانته كحارسٍ للقيم، لا كوقودٍ للفتنة. فالأمم لا تتفكك بسبب مباراة، بل بسبب صمت العقل حين يجب أن يتكلم، وبسبب خيانة الوعي لوظيفته في اللحظة التي يُطلب منه أن يكون إنسانيًا… قبل أي شيء آخر.