
في فضاءاتنا العربية المتشابكة بمصائرها وتاريخها،كثيرا ما تتعرض المبادئ التي نرفعها لامتحانات عمليّة قاسية،تكشف الهوة بين الخطاب والممارسة،وتُظهر تناقضاتنا الجوهرية في التعامل مع قيم كالكرامة والعدالة واللجوء السياسي. فكلّما وقع حدث يستفزّ الضمير الجماعي،كتسليم معارض سياسي عبر الحدود،تثور موجة من الاستنكار المشروع،لكنها غالبا ما تغض الطرف عن ذاكرة انتقائية تتناسى أخطاء الماضي المماثلة.
إنّ هذه الازدواجية ليست مجرد هفوات عابرة، بل هي تشقّق في جدار المصداقية الأخلاقية، وتُسقط شعاراتنا الرنّانة إلى مستوى الهتافات الانتهازية.فكيف يمكننا المطالبة بحقوق الإنسان والعدالة الدولية إذا كنّا نتعامل معها كسلع قابلة للمقايضة حسب المصالح والظروف؟!
مؤخرا،تلقّى الضمير الإنساني في فضائنا العربي صدمة جديدة،بتسليم الجزائر معارضا تونسيا مطلوبا من قبل سلطات بلاده.فورا،انتفضت أصوات الاستنكار والرفض،وكأن ذاكرة المنطقة قصيرة،أو كأن التاريخ يُكتَب بانتفاء انتقائي.فلا يجوز أن ننسى هنا أن تونس،بعد ثورتها المجيدة التي نادت بالكرامة والحرية،سلّمت رئيس الوزراء الليبي السابق البغدادي المحمودي إلى سلطات طرابلس في عام 2012،حيث حُوكم بإجراءات مشكوك في نزاهتها وأُعدم في نهاية المطاف.تلك الحادثة لا تُسقط عن الحدث الجديد خطأه،بل تضعنا أمام مرآة قاسية: مرآة التناقض وازدواجية المعايير.
أنا، من حيث المبدأ،أرفض سياسة التسليم القسري للمعارضين السياسيين أو الباحثين عن ملاذ آمن، مهما كانت المبررات أو الضغوط.فكرامة الإنسان وحقّه في محاكمة عادلة،ومبادئ العدالة الدولية واللجوء السياسي،ليست سلعا في سوق المقايضات،ولا رهائن للمصالح الآنية.هي قيم مطلقة تشكّل حائط الصد الأخير ضد الاستبداد والانتقام،ويجب أن تظل عصية على المساومة.
لكن الرفض المبدئي وحده لا يكفي.فنحن بحاجة ماسة إلى ما هو أصعب: الانسجام الداخلي والثبات على المبادئ. المعادلة الأخلاقية البسيطة والعميقة تقول: ما نعتبره ظلما وجرما إذا وقع علينا أو على حلفائنا،لا يجوز أن نتحول إلى مُنَفِّذين له أو مبررين له إذا وقع منا على الآخرين. لا يمكن للخطاب الحقوقي أن يكون قطعة قماش نرقع بها ثيابنا فقط،وننزعها عن ثياب غيرنا. ازدواجية المعايير هذه تُفقدنا المصداقية الأخلاقية،وتجعل شعاراتنا مجرد هتافات في مهبّ الانتهازية السياسية.
التونسيون والجزائريون ليسوا جارين فحسب، إنهم يشتركون في نفس التراب،نفس الدماء في ثورات التحرير،نفس المعارك ضد الاستعمار، ونفس التحديات الاقتصادية والأمنية اليوم. مصيرهم مشترك بكل ما تحمله الكلمة من معنى. والتعاون بين البلدين ليس ترفا دبلوماسيا،بل هو ضرورة وجودية منصوص عليها في معاهدات عميقة الجذور،مثل اتفاقية الأخوة والوفاق والتنسيق بين الجزائر وتونس لعام 1983، واتفاقية التعاون والتكامل لعام 1993،وغيرها. هذه الوثائق لم تُكتب لحظات الانسجام العاطفي، بل لتكون مرساة ثابتة في عواصف الخلافات العابرة،مؤكدة أن المصلحة العليا المشتركة تتجاوز تقلبات السياسة اليومية وردود الأفعال الانفعالية.
في عالمنا العربي الذي يضج بالمزايدات الخطابية والاتهامات المتبادلة،حيث تُباع المبادئ بأرخص الأثمان،تبقى الحقيقة الوحيدة الراسخة هي التمسك الثابت بالمبدأ والانسجام بين القول والفعل.فقط بهذه الطريقة نبني جدارا منيعا ضد العواصف،ونسقي شجرة التعاون بين الأشقاء حتى تثمر ثقة متبادلة ومنفعة حقيقية.فالثقة لا تُبنى على معاملات انتقائية،حيث يكون المطلوب اليوم حليفا وغدا سلعة للمساومة.والعدل ليس مطاطا يتم شده أو تقصيره حسب الهوى.
لنكن واضحين: رفضنا لتسليم المعارض التونسي يجب أن يكون مبدأً نحمله دائما،كما كان ينبغي أن يكون الحال مع البغدادي المحمودي.النقد الذاتي والشجاعة في مراجعة المواقف السابقة هما بداية الطريق لإصلاع الخطأ.فلنعمل،نحن أبناء المغرب العربي،على أن يكون تعاوننا نموذجا يُحتذى،قائما على احترام سيادة القانون الدولي والإنساني، وعلى الثبات الأخلاقي.فقط عندها نحفظ كرامة شعوبنا،ونبني مستقبلا مشتركا يكون أقوى من كل المؤامرات،وأصدق من كل الخطابات المزدوجة. لأن التعاون الحقيقي بين الأشقاء يُبنى على صخرة المبدأ،لا على رمال المصلحة الظرفية والمواقف المتذبذبة.
وعليه،فإن الخروج من هذه الدوامة الأخلاقية لا يكون بإدانة الحدث الجديد بمعزل عن سياقه التاريخي،ولا بالترفع عن النقد الذاتي تحت ذرائع السيادة أو البراغماتية السياسية العابرة.إنما يكون بالاعتراف النزيه بأن المبادئ إما أن تكون كونية ثابتة،وإما أن تتحول إلى أدوات في يد القوي لسحق الضعيف.إن درس اليوم،ودرس الأمس مع البغدادي المحمودي،يفرض على ضميرنا الجماعي مراجعة شاملة وجذرية..مراجعة لا تستثني أحدا، وتضع الكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار.فمستقبل التعاون بين الأشقاء،ومصداقية خطابنا الحقوقي، وشرعية نضالنا من أجل الحرية،كلها مرهونة بقدرتنا على أن نكون حكاما عادلين على أنفسنا قبل أن نكون قضاة على الآخرين.فقط بانتصار المبدأ على النزوة،وبوحدة المواقف على ازدواجيتها،نستحق أن نرث تراث كفاح مشترك بنيناه على القيم نفسها التي نخونها اليوم. فالضمير الحي لا يقبل التجزئة،والشعوب الحرة لا تبنى مستقبلها على ركام تناقضات النخب.
وهكذا،تُمسي قضية المبدأ والممارسة مرآة مشروخة نتطلع عبرها إلى مستقبلنا المشترك. فالدرس الأليم يتكرر،لا كصدفة عابرة،بل كعَرَض لعلّة عميقة الجذور: ازدواجية تنخر في جسد الضمير الجماعي،وتجعل من قيمنا الكبرى عملة قابلة للاستبدال في سوق المصالح الضيقة.فما بين صدمة التسليم اليوم وصمت الأمس،ينكشف أن أخطر الخيانات ليست في انتهاك المبادئ فحسب،بل في انتهاكها انتقائيّا،ثمّ التغنّي بها وكأنّ الذاكرة تُمسح مع كلّ منعطف.
لا خلاص لهذا الجرح النازف إلا بالاعتراف بأنّ المبادئ لا تتجزأ،ولا تُورَّث انتقاء.فكرامة الإنسان والعدالة واللجوء السياسي ليست شعارات نرفعها حين تصيب غيرنا،بل هي حدود أخلاقية علينا أن نرتّب أوراقنا الداخلية عندها قبل مطالبة العالم بالوفاء لها.فالوحدة الحقيقية بين الشعوب لا تُبنى على المصالح الظرفية،بل على صخرة الموقف الثابت من القيم التي تدّعي الدفاع عنها.
وها هنا يظلُّ السؤال القاسي والأجدر بالمواجهة معلّقا في فضاء الضمير:كيف يمكن لنا أن نطالب بوحدة المصير ونحن نرفض أن نتوحّد أولا عند ميزان أخلاقي واحد،ثابت وغير قابل للمساومة؟!
وهكذا تُختتم هذه القراءة الأليمة،لا كإدانة لطرف دون آخر،بل كنداءٍ إلى الضمير الجمعي العربي لينفض غبار الانتقائية عن عدسته الأخلاقية. فالمبادئ التي ننشدها للعالم لن تكتسب شرعيتها إلا من قدرتنا على تطبيقها مرآةً نرى فيها صورنا قبل صور غيرنا،وميزانا نزن به أفعالنا قبل أحكامنا.فمستقبل شراكتنا وصدق خطابنا الحقوقي رهن بانتصار المبدأ الثابت على النزوة الظرفية،وبالقدرة على أن نقف عند ذات الموقف الأخلاقي سواءً أكان الخصم حليفا أو خصما،قريبا أو بعيدا.عندها فقط نستحق إرث الكفاح المشترك، ونبني تعاونا بين الأشقاء قائما على صخرة القيم، لا على رمال المصالح الهشة.فالكرامة الإنسانية- في نهاية المطاف-وحدة غير قابلة للتجزئة،إما أن تُمنح للجميع،أو أن تُخسرَ أمام الجميع.
وأرجو..أن تستساغ رسالتي جيدا..وأن لا يقع إخراجها عن سياقها الموضوعي…