رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :بنادق للإيجار

كل الحركات السياسية والمسلحة في العالم التي راهنت على الدعم الامريكي والحماية فوجئت في مرحلة قادمة بالتخلي عنها.
في العرف الامريكي التقليدي لا يسمى هذا خيانة لان العلاقة لم تكن على أسس أخلاقية بل يسمى صفقة وانتهت أو ” عقد فُسخ” أو اعادة تقييم أو تموضع أو كلفة باهظة أو حتى تحققت النتيجة من هذه الصفقة المؤقتة اقتصادياً أو أمنياً أو سياسياً وتركيع دولة واستنزاف مواردها في حرب أشباح متنقلة.
في السياسة الامريكية الحليف ـــــــــــــ كعضو في الناتو ـــــــــــ ليس الشريك العابر لان الاخير بندقية للايجار وتنتهي العلاقة معه بانتهاء المصلحة أو ظهور مصلحة أهم في التخلي عنه . ما يراه الطرف الآخر ” خيانة” تراه الولايات المتحدة براغماتية سياسية. عقد وانتهى. حدث هذا مع جميع شركاء الولايات المتحدة سواء كانوا دولاً أو منظمات أو حركات مسلحة.
هذه الحركات التي تعتبر نفسها تنفذ مهمة تاريخية مقدسة مع الشريك الامريكي ليست أكثر من” عقار” قد يباع يوماً حسب الثمن.
الشحن العقائدي العاطفي والمركزية الصارمة وذهنية الولاء المطلق والطاعة العمياء والثقة بالقيادة تخلق ببغاوات وتلغي الأسئلة والتفكير واذا حدث تتحول الأسئلة عن المستقبل الى محاولة عصيان لأن ذهنية القطيع أن يتحرك بعقل واحد وقرار واحد ورؤية واحدة وتختفي كل الزوايا الأخرى خلف الشعارات والضجيج كما تربي الاحزاب الشمولية مخلوقات تعاني من الخصاء العقلي والعقم عن التفكير والابيض والاسود والغاء المساحات الرمادية والكل او لا شيء وامتلاك الحقيقة والشرف والتاريخ بلا أي امتلاك حقيقي . عقلية القطيع هي التقليد الأعمى والاندفاع مع الحشود دون تفكير لأن الحشود لا تفكر لانها ولاء والولاء يلغي التفكير لذلك تزرع قيادات الاحزاب الشمولية ما تريد وترغب من أوهام وأكاذيب في عقول الاتباع بعد تحويلهم الى دمى وببغاوات في أقفاص كعلاقة التابع بالمتبوع والمريد والشيخ والرفيق بالمسؤول والخ وهلم جرا.
عندما يصبح سعر الشريك المؤقت مكلفاً، يُلغى عقد الشراكة ـــــــــــــــ من فيتنام الى افغانستان ومنظمات الارهاب في العراق وحركات التحرر في العالم ــــــــــــــــ وترك الشريك الذي رهن مصيره على هذا العقد يواجه مصيره من أي طرف وعندما تتخلى عن شريك تسمي ذلك بانجاز المهمة او نهاية عقد الشراكة او العثور على بديل أفضل. الشريك أو الوكيل غير الحليف الاستراتيجي كحلفاء الناتو مثلاً.
بنادق الايجار يتم استغلالها في مرحلة محددة لاهداف تخدم مصالح الولايات المتحدة لكنها تقدم لهؤلاء على انها خدمة مصالحهم وهي تفعل ذلك للعمل لاضعاف دول من خلف ستار او عبر حركات مسلحة او لتخفيف الكلفة بلا تضحية ولا نفقات ضخمة بل تظهر كحمامة سلام بين هذه الاطراف وخلال التفاوض بينها يحدث ما يسمى غباءً بـــــــــــــــــــ الخيانة لكنه في الحقيقة نهاية الدور والمصلحة وتحقق الهدف أو خدمة حليف أو شريك أفضل.
المعضلة المتكررة دائماً في أن الشركاء المتخلى عنهم يجدون أنفسهم في العراء بعد نهاية الدعم السياسي والعسكري ولا استراتيجية خروج مشرف من المأزق سوى هزيمة مدوية وتكون الصدمة عنيفة بسبب ضخامة الأوهام خلال فترة” عقد الإيجار” .
عندما قيل لهنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة ومستشار نصف قرن للرؤساء :” لماذا تخلت الولايات المتحدة عن الأكراد في اتفاقية 6 آذار 1975 في الجزائر؟” وتلك الاتفاقية كانت اتفاقاً أمريكياً عراقياً إيرانياً، أجاب:
” “العمل السري لا ينبغي الخلط بينه وبين العمل الخيري”.
مهمة وانتهت وتم فسخ عقد الشراكة وتم بيع العقار فلم الدهشة؟ لا اعتراف بخطأ أو غباء بل ترحيل المأزق على ظلم التاريخ أو المؤامرة لأن هذا الهروب يحافظ على القيادة والفكرة وتحويل أبطال الهزيمة الى أبطال تراجيديين تاريخيين لحماية الأكاذيب من الانهيار بصنع أسطورة مزيفة عن انبعاث أو قيامة من الرماد وتتحول فجيعة شعب الى قصائد وبدل الاعتراف الشجاع ، زرع ثقافة الثأر كمخدر من الفضيحة.
ــــــــــــــ ظهر مصطلح” بنادق للايجار” أواخر القرن التاسع عشر في الغرب الأمريكي عن المسلحين خارج القانون لكنه ظهر لأول مرة في الأدب في رواية بعنوان” مسدس للايجار” (This Gun for Hire) للكاتب البريطاني الشهير غراهام غرين عام 1936، ثم صار يطلق على المرتزقة والجماعات المسلحة الباحثة عن تمويل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى