رؤي ومقالات

وليد عبد الحي يكتب :القضية الكردية بين الجيوثقافي والجيواستراتيجي

في دراستي عن النزعة الانفصالية في العالم العربي المنشورة في الدوحة عام 2013(المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات) قمت بدراسة 338 أقلية مستندا الى 27 مؤشرا تُحرك النزوع الانفصالي لدى الاقليات،، وتبين لي ان المتغير الجغرافي يمثل المتغير الذي يحدد نجاح الانفصال بمعدل 78%.، ويتمثل هذا المتغير في ثلاثة ابعاد هي :
أ‌- وجود الاقلية على الحدود لا في وسط القطر الذي تنتمي له.
ب‌- وجود مورد اقتصادي في اقليم الاقلية الحدودي
ت‌- وجود النسبة العظمى من الاقلية في ذلك الاقليم الحدودي.
فإذا توافرت هذه المتغيرات المتفرعة عن المتغير الجغرافي ترتفع النسبة الى ما يداني 89% حسب المعادلة المعتمدة في دراستي لقياس نزعة الانفصال .
لكن ادبيات العلاقات الدولية المعاصرة تنطوي على ثلاثة ابعاد ينفي او يضعف كل منها الآخر:
1- ان حق الاقليات في التعبير عن هوياتها الفرعية (الاثنية او الدينية او الطائفية او اللغوية…الخ) هو حق انساني اولا تكفله القوانين الدولية المعاصرة والأعراف الدولية ، ومن هنا فان منع هذا التحقق هو امر لا يتسق والتطور الانساني والمساواة في الحقوق بين الشعوب.
2- لكن مفهوم السيادة والوحدة الاقليمية للدول يجعل الانفصال امرا يهدد الامن الوطني من منظور الاغلبية في الدولة المعنية، وبخاصة في الدول التي تتعدد فيها الأقليات، فإذا علمنا ان عدد الاقليات في العالم (التي تزيد نسبة كل منها في مجموع سكان دولتها عن 1%) هو 822 اقلية ،لكن عدد الدول الاعضاء في الامم المتحدة هو 195(193 دولة كاملة العضوية ودولتان ليستا كاملتا العضوية وهما فلسطين والفاتيكان)، فهل يمكن ان يقبل المجتمع الدولي التشظي الى 822 دولة ؟ ناهيك عن التداخل الاقتصادي والاجتماعي الذي يجعل عملية الانفصال موجعة للطرفين.
3- في فترة عصبة الامم جرى نقاش حول الحد الأدنى لعدد الاقلية التي من حقها الاستقلال في دولة خاصة بها، ورغم عدم الاتفاق على هذا الحد ،لكن النقاش تركز حول عدد مليون (واحد مليون)، لكن المشكلة ان الاقلية التي عددها اقل من مليون ستصل يوما ما في المستقبل الى مليون بفعل الزيادة السكانية الطبيعية، وهو ما يجعل العالم يتشظى ويتفتت باستمرار .
فإذا عدنا للقضية الكردية ،حيث يتواجد الاكراد في غرب آسيا بشكل واضح ، فان نزعة الاستقلال من منظور تاريخي موجودة في كل من العراق وايران وتركيا وسوريا، وهناك تاريخ طويل حول صعود وهبوط هذه النزعة ، والملاحظ ان العنصر الجغرافي الذي اشرنا له بأبعاده الفرعية الثلاثة متوفر- ولو بنسب متفاوتة- في الدول الاربع، وهو ما يعزز النزعة الانفصالية، لكن ما يمنع التحقق هو النظرة للجغرافيا الاقليمية لا النظرة للجغرافيا القطرية، فالاكراد ككتلة بشرية يصل عددهم في الدول الاربع ما بين 35-40 مليون نسمة، فهي كتلة بشرية وازنة، لكن المشكلة ان المتغير الجغرافي متوفر بالمنظور القطري(كل منها على حدود دولتها ومتجمعة في تلك المنطقة ولديها موارد )، لكن النظرة الاقليمية تجعلهم في قلب الاقليم لا على حوافه وهو ما يلجم المتغير الجغرافي تماما، لان كل دولة من الدول الاربع تعتبر ان نجاح الاكراد في اية دولة سيتحول لنموذج جاذب وقاعدة ارتكاز للاكراد في الدول الثلاث الاخرى، وهو ما يشكل تهديدا لها، ومن هنا يصطدم المنظور الجيوسياسي القطري بالمنظور الجيواستراتيجي الاقليمي.
وتدل التجارب التاريخية على فشل هذا النزوع الكردي ، ودون العودة للتاريخ القديم فان تسليم حزب العمال الكردستاني التركي لسلاحه في يوليو من العام الماضي، والغاء نتائج استفتاء اقليم كردستان العراقي عام 2017 (رغم التأييد بنسبة تجاوزت 92%) ثم قبول تنظيم “قسد” الكردي السوري ” بفكرة” الاندماج مع الجيش السوري قبل ايام ، مؤشرات على ثقل المتغير الجيواستراتيجي ، رغم الدعم الخارجي الامريكي والاسرائيلي وبعض الاوروبي بل واحيانا العربي.
ان النزوع الكردي للاستقلال هو حق من منظور قانوني اخلاقي من ناحية ، لكنه يصطدم بالجدار الجيواستراتيجي الاقليمي من ناحية ثانية ، ناهيك عن بعض التشوه الذي اصاب النزوع الكردي بسبب الحبل السري الذي يربط “بعض وأؤكد على بعض” القوى الكردية باسرائيل والقوى الغربية ،مما يحول المطلب القانوني الى وظيفة سياسية تفيد القوى الخارجية ولن تؤدي الى تحقيق الهدف الكردي المنشود..ولعل الدرس السوري والتركي والعراقي شاخص وبقوة ، ناهيك عن الدرس الايراني.
يبدو ان الحل الوسط للمشكلة الكردية هي في التوفيق ما بين ضمان “حق الهوية الفرعية بمدلولاتها الثقافية والتاريخية الواسعة ” وبين الامن الوطني للدولة التي يتواجدون فيها، لان الاعتبارات الجيواستراتيجية لن تتوارى لمصلحة الاعتبار الجيوسياسي والجيوثقافي…
اخيرا، ان مراقبة ال 338 اقلية التي سعت للانفصال عبر تكتيكات سلمية او حربية او الجمع بين النمطين ،تظهر أن المتغير الجغرافي بجوانبه الثلاث هو العامل الحاسم سواء الجغرافية القطرية او الاقليمية وهو ما نلاحظه في تفكك الاتحاد السوفييتي(جمهوريات الحدود المسلمة انفصلت بينما جمهورية الشيشان غير الحدودية لم تتمكن من الانفصال، كذلك انظر خريطة النزعات الانفصالية في اوروبا الغربية وافريقيا..الخ)…ربما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى