تاريخ العرب

فارس بني أمية الذي لُقِّب بخالد بن الوليد الثاني لكثرة فتوحاته

في الثامن من محرّم سنة 121هـ، الموافق لـ25 ديسمبر 738م، طوى الموت صفحة أحد أعظم القادة العسكريين في تاريخ الدولة الأموية، الأمير مسلمة بن عبد الملك بن مروان، الرجل الذي لقّبه أعداؤه بـ«الجرادة الصفراء» لما عُرف عنه من لونٍ أشقر مميّز، ولما أحدثه من اكتساح شامل لكل عدوّ واجهه، كان مجرد ذكر اسمه يثير الرعب في قلوب الروم البيزنطيين والخزر لكثرة ما غزى منهم و قتل ، ورمزًا لعبقرية عسكرية قلّ نظيرها، حتى رأى فيه كثير من المؤرخين رجلًا كان أحقّ بالخلافة من غيره.
هو أبو الأصبغ، ويُكنّى أيضًا بأبي سعيد، مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي القرشي، وُلد في دمشق سنة 66هـ/685م، ونشأ في بيت الخلافة والسيف معًا. كانت أمّه جارية رومية، فغلب عليه لونها الأشقر الذي ميّزه عن إخوته، ولم يكن هذا الاختلاف الشكلي إلا مقدّمة لاختلافٍ أكبر في مسار حياته. حفظ القرآن، وتعلّم اللغة والأدب، ثم انصرف مبكرًا إلى ميادين الحرب، فتدرّب على الفروسية والمبارزة واستعمال السلاح والتخطيط والقيادة، وكان عمه محمد بن مروان، والي الجزيرة وأرمينيا وأحد كبار قادة بني أمية، هو المشرف على تكوينه العسكري، فاصطحبه معه في الحملات منذ سنة 703م، ليصقله ميدان القتال قبل أن تصقله المناصب.
وفي سنة 86هـ/705م، تسلّم مسلمة لأول مرة قيادة جيشٍ أمويّ بنفسه لغزو أراضي الدولة البيزنطية، فأظهر كفاءة عالية وروحًا قتالية نادرة، وتميّز عن غيره بأن حملاته لم تكن موسمية أو متقطعة، بل طويلة النفس، متصلة الأهداف، فما إن تنتهي حملة حتى يشرع في أخرى دون إبطاء. وفي سنة 707م سجّل أول إنجاز كبير له بفتح مدينة طوانة في الأناضول، بعد حصارٍ قاسٍ استمر شتاءً كاملًا، انقطعت فيه المؤن حتى اضطر جنوده لأكل الخيول، ورفض فيه مسلمة الانسحاب رغم توسّل قادته، حتى انهارت المدينة في 708م بعد اقتحام بطوليّ قاده الجندي يعقوب بن عبد الله الأنصاري الذي قاتل على قدمٍ واحدة بعد أن قُطعت الأخرى. وفي يوم الفتح، وُلد لأحد الجنود مولود سمّاه «الفرج»، فأقرّه مسلمة على الاسم، ليصبح هذا الطفل لاحقًا من كبار رجال الدولة العباسية، في دلالةٍ على عمق الأثر الذي تركته تلك الحملات.
كافأه الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة 709م بتوليته الجزيرة وأرمينيا وأذربيجان، فصارت بين يديه مفاتيح الحدود الشمالية للدولة الأموية. ومن هناك اندفع إلى جبال القوقاز الباردة ، ففتح دربند (باب الأبواب) سنة 710م، وتتابعت فتوحه ضد البيزنطيين: ثلاثة حصون سنة 711م، ثم سندرة وغلاطية وأماسيا سنة 712م، وملطية سنة 714م، وحصني الحديد وسرورا سنة 715م، حتى صار اسمه يتردّد في بلاط القسطنطينية بوصفه أخطر قادة المسلمين.
وفي سنة 715م، حين عزم الخليفة سليمان بن عبد الملك على فتح القسطنطينية بجيش عظيم ، و آلت قيادته إلى مسلمة، فقاد جيشًا قوامه نحو 120 ألف مقاتل، وضرب حصارًا طويلًا على عاصمة الروم بين 717 و718م. أظهر خلاله دهاءً عسكريًا لافتًا، فأقام مساكن خشبية للجيش تشبه المدينة العسكرية تقابل عاصمة الروم من الجانب الأوروبي ، وأمرهم بالزراعة والاعتماد على الغارات لإطالة أمد الحصار، حتى عرض البيزنطيون الجزية دينارًا عن كل رأس مقابل رفع الحصار، لكنه رفض. غير أن قسوة الشتاء، والنار الإغريقية، و غدر البلغار، ثم وفاة سليمان وتولّي عمر بن عبد العزيز، كلّها عوامل أدّت في النهاية إلى فك الحصار بأمر الخليفة الجديد، بعد أن اشترط مسلمة شروط مذلة على الروم منها بناء مسجد للمسلمين في القسطنطينية، فكان ذلك شاهدًا على حضوره السياسي حتى في لحظة الانسحاب.
ثم تقلّب به الزمان، فولي العراق سنة 720م في عهد أخيه يزيد بن عبد الملك، فقمع الخوارج، وهزم يزيد بن المهلب وقتله في واسط، وأعاد الاستقرار إلى العراق بيدٍ من حزم وعدل، حتى خشيه أخوه الخليفة فعزله سنة 721م. ومنذ ذلك الحين، عاش مسلمة تجربة نادرة في تاريخ القادة، إذ قبل أن يقاتل جنديًا تابعًا تحت إمرة من هم دونه مكانةً وسابقة، لا لشيء إلا لحبه للجهاد و طلب الشهادة في سبيل الله وعدم ربطه القتال بالمنصب.
وأعاده أخوه الخليفة هشام بن عبد الملك سنة 725م إلى ولايته القديمة على الجزيرة وأرمينيا، ففتح قيصرية سنة 726م، وخاض حروبًا ضارية ضد الخزر فاخترق بلادهم ، و بلغت ذروتها في معركة داريال سنة 728م بعد قتال دام أربعين يومًا في ثلج و بردٍ قارس. لكن عزله المتكرر أضرّ بالجبهة الشمالية، ولمّا أعيد سنة 730م استعاد بعض المدن، غير أن السياسة غلبت السيف، فأقيل نهائيًا سنة 732م.
اعتزل بعدها الحرب والسياسة، وتفرّغ لإدارة أملاكه في شمال الشام وللعبادة، و تعلم علم الحدثان و هو علم يهتم بتوقع الأحداث المستقبلية و أشراط الساعة بناءً على كتب الأمم القديمة و تتبع أخبار الأنبياء و رؤى الصالحين و ما أخبروا به الناس من الغيب مع العلامات أو الأمارات التي تظهر قبل وقوعها ، فتنبأ بزوال ملك بني أمية .. فأخبر أخاه الخليفة هشام أن الرايات السود سوف تنحدر من المشرق؛ وعندها تشهد الأرض مصارع بني أمية مع قيامها في الأندلس على يد عبد الرحمن الداخل ، كما نقل ابن عذاري المراكشي. ولم يكن تدينه موضع شك؛ فقد كان يقوم الليل، ويأمر بالمعروف، ويحجّ ويعتمر، حتى أوصى به عمر بن عبد العزيز ليغسّله ويكفّنه ويُنزله قبره، وهي منزلة لا تُعطى إلا لأهل الورع الصادق.
ومع كل ذلك، لم يتولَّ الخلافة، لا لعجزٍ ولا لقصور، بل لأن النظام الأموي كان يمنع تولية أبناء الجواري غير العربيات، فحُرم مسلمة حقًا رآه كثير من المؤرخين جديرًا به. قال ابن تغري بردي: «كان شجاعًا صاحب همة وعزيمة، وله غزوات كثيرة»، وقال ابن عبد ربه: «ولم يكن لعبد الملك ابن أسدد رأيًا، ولا أزكى عقلًا، ولا أشجع قلبًا، ولا أسمح نفسًا، ولا أسخى كفًّا من مسلمة».
تزوّج مسلمة من الرّباب بنت زفر الكلابية، والزعوم الكندية، وأم سلمة المخزومية، وأنجب عددًا من الأبناء، وانتشرت ذريته في العصر العباسي، حتى خُصّت بالأمان، وبقي من نسله بيوت كثيرة في الجزيرة الفراتية وحلب، عُرفوا بـ«المسالمة»، وخرج منهم قادة وشعراء ومحاولات لإحياء المجد الأموي.
وفي سنة 738م، توفي مسلمة بن عبد الملك عن عمر 54 عامًا، في تلّ حواصيد قرب حلب، ودُفن في قنسرين، فترجّل فارس بني أمية، الرجل الذي أرعب الروم و أمّن الحدود الشمالية للدولة، وترك وراءه سيرة قائدٍ لم يعرف الهزيمة إلا حين خاصمته السياسة، وبقي لقبه «الجرادة الصفراء» شاهدًا على رجلٍ إذا نزل أرضًا اجتاحها، وإذا قاتل عدوًا أزاله.
المصادر :
1) الكامل في التاريخ، ابن الأثير
2) البداية والنهاية، ابن كثير
3) تاريخ الخلفاء، السيوطي
4) البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ابن عذاري المراكشي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى