كتاب وشعراء

أتوارى هادئاً…..بقلم سليمان أحمد العوجي – سوريا

الذي قتلني البارحةَ
أنْهكَتْهُ لوحةُ وجهي المعقَّدةُ
بنوايا المعاني،
وبتَرَ أصابعهُ وهو يُفكِّكُ
ألغامَ عمري،
فكنتُ في مُقتبَلِ الموتِ
حينَ كانَ في ريعانِ نكبتهِ.
كلُّ ما عثَرَ عليه في جيوبي
بضعُ أحلامٍ خُدَّجٍ لم تصلْها
رسائلُ الأوكسجين،
وأعشاشٌ هجرتْها عصافيرُ الأماني،
والكثيرُ الكثيرُ من الأسئلةِ العانسِ،
ونصوصٌ حزينةٌ أبطالُها
يائسونَ أو يتامى،
أراملُ أو متضجِّرونَ،
جفَّ ماؤُهم
حتى صدِئَتْ سواقي أرواحِهم.
وقصائدُ عاقرٌ لا ملحَ في
دموعِها، لا تصلحُ للبيعِ أو المقايضة.
حتى اسمي، الذي ظنَّهُ من
النُّحاس، كانَ خُردةً هشَّةً.
الذي قتلني البارحةَ
كانتْ خسارتُهُ أكبرَ من موتي،
توكَّأَ على ندمِهِ
وسلَكَ طريقاً حائراً،
خاصمَتْهُ الجهاتُ
ومضى كغيمٍ كفيفٍ
فوقَ الحقولِ المنكوبة.
قالَ الراوي إنَّ موتي
كانَ كزوبعةٍ صغيرةٍ
في صحراءَ بلا خارطة،
أو كنقطةٍ في خطبةٍ
تافهةٍ مملَّة،
وأنَّ قاتلي وجدَ
كلَّ دكاكينِ التوبةِ مغلقة.
أتوارى هادئاً
خلفَ الموتِ أتوارى هادئاً،
أنطفئُ كسراجٍ شربتِ النارُ كأسَهُ،
لا يُقلقُهُ شُحُّ الزيتِ
ولا مزاجُ العاصفة.
أتوارى هادئاً
خلفَ الموتِ أتوارى هادئاً،
كلُّ الدروبِ إليَّ موصدةٌ،
وعمري أعلنتْهُ السُّلطاتُ
(منطقةً منكوبةً).
لا يُقلقني مرضٌ
ولا يبتزُّني جشعُ الألم،
ولا شيخوختي بقيتْ تطلُّ
برأسِها من بينِ رُكامِ السنين
لتؤنِّبني.
هنا لا زَاجلَ
ولا سُعاةَ بريدٍ
لأُرسلَ لولدي الصغيرِ
أنْ لا يُضيِّعَ الوقتَ
في البحثِ في حقائبي.
أتوارى هادئاً
خلفَ الموتِ أتوارى هادئاً،
فلا أُكلِّفُ الرغيفَ الحافي
أنْ يعبرَ حقلَ النار.
هنا أنا، ووزيرٌ صارَ بلا معالي،
وعاملُ تنظيفاتٍ بلا مكنسةٍ
ولا غبار،
ولا زوجةٍ تمطرُهُ بالعتاب.
هنا أنا، وتاجرٌ نسيَ الأرقام،
لا تهزُّهُ بورصةٌ
ولا تُغريهِ صفقة.
كلُّنا هنا
على مائدةِ الهدوءِ مجتمعون،
نشربُ من نهرِ الله
ذاتَ الماء، بلا تُخمة.
هنا تساقطَتْ الأسنانُ اللَّبنيةُ
للحقيقة،
وخلعَتْ ثيابَها
دونَ أنْ يأمرَها أحدٌ بالستر.
ربما خسرتُ ضحكةَ حفيدتي
كلَّما قرأتُ لها
عن زهدِ الوالي،
أو لفَّقتُ للجلَّادِ
تهمةَ الرحمة.
هادئاً… هادئاً،
حتى إنِّي أُدخِلُ إبرةَ الطمأنينة
في خُرمِ الريح،
وأقطبُ لساني
لأُسمِعَ اللهَ
موالاً وصلاةً
حتى يغسلَ دمعُهُ
بلاداً أنجبتْ
من رحمِها المتجهِّم
ولداً خشناً
أسمَوهُ خراباً.
وأطلبُ الصَّفحَ
لمنْ قتلني البارحةَ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى