تاريخ العرب

استشهاد عمر بن الخطاب: درس في العدل حتى النهاية

فجر يوم مشهود
في صباح الأربعاء السادس والعشرين من ذي الحجة سنة 23 للهجرة (3 نوفمبر 644م)، وقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في مسجد المدينة يُنادي بأصوات المصلين للصلاة. كان الفجر ينساب على أعمدة المسجد النبوي، والرجل العظيم الذي وسعت عدلُه الآفاق يقف ليؤمّ المسلمين في صلاة الفجر كما اعتاد كل يوم.
الفصل الأول: اللحظات الأخيرة قبل الطعنة
الحوار الأخير مع ابن عباس
قبل خروجه للصلاة، كان لعمر لقاء مع ابن عباس – حبر الأمة وترجمان القرآن – حيث دار بينهما حديث عن الخلافة ومن يصلح لها.
عمر: (متفكراً) كيف ترى الأمر من بعدي يا ابن عباس؟
ابن عباس: (بحكمة) أرى أن توليها الأقوى على جمع الأمة والأقدر على قيادتها.
عمر: (يهز رأسه) إني لأخشى أن ألقى الله بدماء المسلمين… لقد رأيت رؤيا…
الرؤيا المنذرة
كشف عمر لابن عباس عن رؤياه: “رأيت ديكاً ينقرني نقرتين” وقد فسرها ابن عباس بأنها تنبؤ بالخطر، لكن عمر قال: “الملك بيد الله، يؤتيه من يشاء”.
الفصل الثاني: في المحراب
وقف عمر في المحراب يكبّر للصلاة، وكان المسجد غاصّاً بالمصلين. بينهم أبو لؤلؤة فيروز النهاوندي – غلام المغيرة بن شعبة – يحمل خنجراً ذا نصلين مسموماً، وقد أضمر في نفسه الحقد والغدر.
طعنة الخيانة
في الركعة الثانية، عندما شرع عمر في قراءة سورة يوسف: {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ}… اندفع أبو لؤلؤة من بين الصفوف وطعن عمر ست طعنات قائلاً: “أف لم يعدل عمر؟!”
صيحات الألم والثبات
سقط عمر وهو يقول: “أف… أف… قتلني – أو أكلني – الكلب!” ثم التفت إلى القاتل يحاول الإمساك به، فطعن أبو لؤلؤة ثلاثة عشر رجلاً من المصلين قبل أن يطعن نفسه.
الفصل الثالث: المشهد البطولي
الحكمة في الألم
حُمل عمر إلى داره، والناس من حوله يبكون. فقال لهم: “لا تبكوا، أدعوا لي عبد الرحمن بن عوف”. وعندما جاء، قال له عمر: “صل بالناس”.
رعاية القاتل
قال عمر كلمته المذهلة: “إن كان أبو لؤلؤة حياً فأحسنوا إليه حتى أموت، لعل الله أن يتوب عليه!” ثم قال: “ويح أم عمر! إن لم تغفر له ربه”.
الفصل الرابع: الدروس الأخيرة
الهمّ بالشعب حتى الرمق الأخير
سأل عمر عمن طُعن معه، فقالوا: “فلان وفلان…” فقال: “الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يهودياً ولا نصرانياً”.
الوصية بالخلافة
طلب عمر ستة من الصحابة وهم: عثمان، علي، طلحة، الزبير، سعد، عبد الرحمن بن عوف. وقال لهم: “إني قد استخلفتكم على أمر هذه الأمة، فاختاروا منكم رجلاً”.
العدل حتى مع أهله
جاءه ابنه عبيد الله بن عمر غاضباً يريد قتل عبدين نصرانيين اشتبه في تورطهما، فقال عمر: “مهلاً يا بني! لا تعجل، لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث…”
الفصل الخامس: اللحظات الأخيرة
وداع الحبيبة
دخلت عليه ابنته حفصة – أم المؤمنين – تبكي، فقال لها: “يا بنية، لا تبكي، قد كنت أتمنى الشهادة في سبيل الله، وقد حصلتُ عليها”.
الدعاء والتوبة
ظل عمر ثلاثة أيام بين الحياة والموت، يوصي ويعلّم. وفي اليوم الثالث، قال: “أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيراً…”. ثم رفع يديه: “اللهمّ هل بلغت؟ اللهمّ فاشهد”.
الرحيل
عندما أحسّ بالموت، دعا ابنه عبد الله وقال: “ضع خدي على الأرض”. فلما فعل، قال: “ويل لأم عمر إن لم يغفر الله له”. ثم قال: “الله… حي… قيوم…” ولفظ أنفاسه الأخيرة.
الفصل السادس: الدفن والفراق
جنازة الأمة
حُملت جنازته على الأكتاف، والناس يرددون: “وا عمراه… وا إسلاماه”. ودُفن بجانب صاحبيه: النبي ﷺ وأبو بكر الصديق في حجرة عائشة.
أثر الرحيل
قال علي بن أبي طالب عند دفنه: “ذهب عمر وبقيتُ بعده كالقاعد بين الرجال ليس له قائد”.
الفصل السابع: الدروس الخالدة
1. العدل حتى الرمق الأخير: اهتمامه برعاية قاتله دليل على عدالته الأسطورية
2. المسؤولية حتى اللحظة الأخيرة: كان همه بالشعب وأمر المسلمين حتى وهو ينزف
3. التواضع في الحياة والموت: طلب وضع خده على التراب عند الموت
4. التسامح الأعظم: دعا لقاتله بالمغفرة
5. الحكمة في التخطيط: وضع نظام الشورى لاختيار الخليفة
6. الاستشهاد في بيت الله: مات في أقدس الأماكن أثناء عبادة ربه

الخاتمة: إرث لا يموت
ظلّ عمر بن الخطاب – الفاروق – مثلاً أعلى للعدل والحكمة والشجاعة. استشهد بعد عشر سنين من الخلافة حوّلت فيها الأمة من دولة ناشئة إلى إمبراطورية عادلة. قال عنه النبي ﷺ: “إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه”.
لقد مات الجسد، لكن عدل عمر بقي درساً للأمم، وموته كان – كحياته – أعظم درس في العدل حتى النهاية.

رَوَى هذه الأحداث بتفصيلها الإمام محمد بن جرير الطبري في تاريخه المعروف بـ”تاريخ الرسل والملوك”، وهو من أوثق المصادر التاريخية للعصر الراشدي، وقد نقل الروايات بسندها عن شهود العيان من الصحابة والتابعين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى