غير مصنف

كَرَّةٌ رابِحَة.. بقلم: صلاح الدين عثمان

كُنتُ على مَوْعِدٍ مَعَهُ، فَتَعَمَّدْتُ أنْ أتأخَّرَ عَنْ مَكْتَبي في ضَرائِبِ أرباحِ الأعمال، لأضعَ غُرورَهُ في مُواجَهَةِ صَلابَتي.
هُوَ رَجُلُ أعمالٍ في مُنْتَصَفِ الخَمْسِينَات،
يَتَباهى بِوَسامَتِهِ كَما يَتَباهى بِثَرْوَتِهِ،
يُوَزِّعُ ابْتِسامَاتِهِ على الجَميلاتِ كَأنَّها أنصِبَةٌ في سُوقٍ رائِجَة،
لِتَنفُذَ كالسِّهامِ في قُلوبِهِنَّ.
أمَّا أنا، فَقَدْ جاوَزْتُ الأرْبَعين، لَمْ أَرْتَبِطْ رَغْمَ كَثْرَةِ العُرُوض، لأنَّني لا أَقْبَلُ أنْ أكونَ مَنْظَراً تَكْمِيلِيّاً في حَياةِ أحَد.
دَخَلْتُ المَكْتَبَ، فابْتَسَمَتْ مُديرَتي إعْجاباً بِلَمْسَةِ الزِّينَة، وَقالَتْ ساخِرَةً:
-التَّأخِيرُ أتى بِنتيجَة، إنَّهُ في انْتِظارِكِ على جَمْرِ الشَّوْق.
نَهَضَ واقِفاً، صافَحَني وَهُوَ يُصَفِّر، فأجَبْتُهُ بِبُرود:
-مِنْ ذَوْقِكَ سَيِّدي!.
ناوَلَني أوراقَهُ: قَسيمَةُ طَلاقٍ، عَقْدُ شِراءِ مَنْزِلٍ بِاسْمي.
ابْتَسَمَ بِثِقَةٍ وَقالَ:
-الأبناءُ في طَريقِهِمْ لِلاسْتِقْلال، أمَّا هِيَ فَقَدِ انْشَغَلَتْ بِالاجْتِماعِيّاتِ،
فَتَرَكْتُ لَها ما تُريدُ، وَأنت كُلُّ ما أُريدُ.
رَفَعْتُ القَسيمَةَ أمامَهُ وَسَأَلْتُهُ:
-وَمَتَى يَحينُ دَوْري أنا؟
-ماذا تَعْنين؟
-أعْني: إذا كُنْتَ قَدْ تَخَلَّيْتَ بِهذِهِ السُّهُولَةِ عَنْ أُمِّ أوْلادِكَ، فَما الَّذي يَمْنَعُكَ أنْ تَتَخَلَّى عَنِّي غَداً؟
أنتَ تَظُنُّ أنَّ الزَّوْجَةَ الأُولى انْتَهَتْ، لَكِنَّها سَتَبْقى اللاعِبَ الأساسِيَّ في حَياتِكَ، الأُمُّ الَّتي لا تُغادِر، الاسْمُ الَّذي يُلاحِقُكَ في كُلِّ مَجْلِس، الظِّلُّ الَّذي يُذَكِّرُكَ أنَّكَ بِعْتَ سَنَواتِها بِدَراهِم.
كَيْفَ لي أنْ أَقْبَلَ حَياةً في الظِّلِّ، سَعادَةً مَنْقوصَة، مَعَ رَجُلٍ يُوَزِّعُ قَلْبَهُ كَما يُوَزِّعُ أرباحَهُ؟
الحَياةُ يا عَزيزي لا تَتَجَزَّأ، إمَّا أنْ تَكونَ كامِلَةً، أو لا تَكون.
تَفَضَّلْ، خُذْ أوراقَكَ.

الإسكندريَّة 22 كانون الثاني 2026م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى