رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :هزائم مدهشة

ــــــــــ قد لا أملك انتصارات مدهشة ، لكنني أستطيع إدهاشك بهزائم خرجت منها حياً* أنطون تشيخوف.
قال لويس بورخيس” لقد بحث البشر دوماً عن التضامن والتآلف مع الطرواديين المهزومين ـــ حرب طروادة ــ وليس مع الإسبارطيين المنتصرين. ربما لأن هناك في الهزيمة كرامة يصعب عليها أن تتوافق مع النصر”.
الدفاع عن قضية خاسرة حتى النهاية أمام قوة عاتية أو غدر ليس هزيمة لأن في خسارة المهزوم الكثير من جمال النبل والحزن بل السحر لانه قاوم حتى النهاية واستنزف كل طاقته في الصراع كما في رواية ” العجوز والبحر” لـــــــــــ أرنست همنغواي . سانتياغو الصياد العجوز فشل في صيد سمكة كبيرة في صراع عنيف معها وعاد بها الى الشاطئ كهيكل عظمي. هي أيضاً لم تهزم لأنها قاومت حتى النهاية لذلك قال همنغواي مقولته الشهيرة :
” يمكن سحق الانسان لكن هزيمته مستحيلة” .
التدمير الجسدي غير الروحي. كان يرى في السمكة خصماً عظيماً يذكرنا بقول الشاعر أنسي الحاج:” أفضل الموت تحت عاصفة أو قوة مهيبة بدل الموت في صراع مع حشرات” فهذه المعركة لا نبل ولا شرف ولا فخر فيها وحتى النصر الحقيقي هو هزيمة.
ربما رأى بورخيس في النصر غطرسة وسطحية بلا عمق وقد يكون نصراً يفتقر للأخلاق وهنا تكون كلمة نصر أقذر إختراع لغوي بشري. في الهزيمة معاناة علنية أو صامتة تمنح المهزوم النبيل جمالاً داخلياً مضيئاً لا يظهر في وجه المنتصر المتغطرس المغطى بالخلاعة.
من غرائب التاريخ أن الاسبارطيين المنتصرين لم يتركوا أثراً فكرياً أو ثقافياً يوازي ما تركه الطرواديون المنهزمون . النصر الفج قد ينهي المعركة لكن الهزيمة المشرفة، أو الفشل البطولي، هو ما يترك الأثر العظيم ومنها تبدأ الحكاية.
في معارك التاريخ ما يسمى النصر الذي يشبه الهزيمة، نصر الغدر، الذي يفتقر للنبل والشجاعة الايجابية ووضوح الخصومة. هذا النوع من “النصر” لا يصنع أبطالاً كباراً بل يصنع طغاة وخونة بلا سلطة أخلاقية لذلك وحتى في الحكايات الشعبية يكون الابطال هم الذين قاتلوا بشرف حتى النهاية بصرف النظر عن النتيجة لان معركة الكرامة الانسانية ليست في النتيجة بل في الغاية.
في النصر الغادر يملك المنتصر ” الأشياء العابرة” لكنه لا يملك سردية مشرفة وكبيرة وقد تكون تاريخية. لقد شاهدت مهزومين صامتين في حربين تكسو ملامحهم قداسة مضيئة ورأيت على وجوه المنتصرين ملامح ينفر منها الوجدان . وضوح المهزوم والخاسر يمنحه بريق النبل والمهابة في حين يحمل وجه المنتصر الغادر ملامح القبح الذي لا نراه في وجوه القتلى المهزومين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى