الأحد , سبتمبر 20 2020

طَرفةُ عين ….بقلم محمد عبد السلام منصور .

في يوم من الأيام التي أخصصها لزيارة مكتبة مركز الدراسات والبحوث اليمني ألقت على ملثمة التحية، فحسبتها طالبة أو باحثة ستسألني عن شيء يتعلق ببحثها، قالت: أنا الشاعرة أحلام الدميني، فأضاء الاسم ذكرى زميلي وصديقي الشهيد عبد السلام الدميني، فصرت أنا السائل:
– هل تعرفين الشهيد عبد السلام؟
– نعم هو جدي.
في طرفة عين التمعت الذاكرة بتلك الفرحة الشجية التي غمرت نفوسنا حين سمعنا لأول مرة “هنا صنعاء إذاعة الجمهورية العربية اليمنية، وكيف ابتدأ منذ ذلك اليوم يتدفق الشباب إلى صنعاء، من داخل اليمن وخارجه؛ تأييدا لثورة السادس والعشرين من سبتمبر ٦٢، والالتحاق بالحرس الوطني دفاعا عن النظام الجمهوري بعد أن هددت الرجعية العربية والاستعمار الغربي، بإسقاطه وإعادة الملكية بالقوة،
كان من بينهم فتية حصلوا على قسط من التعليم يمكنهم من الالتحاق بكليتي الحربية، والشرطة، ففي نهاية ٦٤ا م اجتاز عبد السلام الدميني اختبارات القبول بكلية الشرطة، فكان من بين الطلبة اللافتين سواء في مجالي التدريبات العسكرية والدراسات القانونية والأمنية، أو الاهتمام بالشأن الوطني العام، ومتابعة سير المعارك ا لعسكرية والسياسية المتلاحقة، أما بعد التخرج في منتصف عام ٦٥ م فلم يقتصر اهتمام هؤلاء الضباط على متابعة الأحداث بل صاروا يشاركون في صنعها، وبخاصة أولئك الذين كانت لهم رؤى سياسية.
كان عبد السلام الدميني واحدا ممن، شارك في المعارك العسكرية دفاعا عن النظام الجمهوري، والعمل السياسي الدؤوب من أجل تحقيق أهداف الثورة.
أما بعد التصالح مع السعودية فقد كان الشهيد عبد السلام الدميني واحدا من السياسيين الذين رأوا أن قوى سياسية معينه اندفعت إلى عقد مصالحة مع السعودية بشروطها التي لم تبق للنظام الجمهوري سوى اسمه ثم وظفته في إشعال الحروب مع الأشقاء في الجنوب.
ظل الشهيد الدميني يتردد بين الشطرين محاولا لمّ شمل القوى السياسية والاجتماعية صاحبة المصلحة في تحقيق أهداف الثورة والعمل معها على تقريب وجهات النظر بين سلطتي شطري اليمن وفك الارتباط بمملكة آل سعود، خطوة أولى في الطريق إلى وحدة اليمن، غير أن أعداء هذا التوجه من الأجهزة السرية الموالية للمملكة اغتالوه مع أخويه عبد الله وعبد الكريم، في دهاليزهم ورموا جثمانهم آخر ليلة ال ٢٨ من أغسطس عام ٨٠ م في نقيل يسلح، ليوهموا الناس أنهم قضوا في حادث مروري مع أن أثار الخنق ظلت باقية على أعناقهم وقد سجل شاعر اليمن وحكيمها #عبد_الله_البردوني هذا المصاب اليمني الجلل في قصيدة (#توابيت_الهزيع_الثالث) المنشورة في ديوانه #جواب_العصور ومطلعها
هناك رأوه فوق (نقيل يسلح) طريحا من وراء الصمت يفصح
وفي طرفة العين ذاتها أفقت وأحلام تسألني
– هل تعرف جدي عبد السلام
– نعم فهو زميلي التحقنا بالكلية وتخرجنا منها معا
– وهل تعرف حادثة اغتياله
– نعم. لابد أن روحه تشعشع بالضوء من قصائدك التي أتمنى أن أقرأ شيئا منها.
مدت إلي يدها حاملة كتابا.
– قالت: هذه مجموعتي الأولى
(أبجدية امرأة في الحب إلى رجل يقرأني الآن)
أخذته ومضيت أغالب دمعا من عوائده الهطل

#المجموعة

بإلقاء نظرة على مجموعة أحلام الشعرية سنشعر أنّا أمام شاعرة جريئة في اجتراح اللغة التي أرادت بها مغايرة المألوف، حبا في التميز من أول مجموعة، لذلك فقد اختارت الابتعاد عن الأوزان المعهودة سواء في الشعر البيتي أو التفعيلي لتتحرر من قيود تلك الأوزان التي تعيق كثيرا من الشعراء المبتدئين، بل وبعضا من المجربين، فهم حين يبحثون عن الكلمات المتناسبة مع الوزن المختار، تفلت منهم الصورة الشعرية التي تميز لغة الشعر عن لغة التقرير والتحليل والتفسير التي تطلبها أساليب الكتابة المتنوعة.
إن اختيارها أسلوب قصيدة النثر كان اختيارا ذكيا، فالوزن لا يعدو كونه وعاء للقول أيا ما كان هذا القول وليس بالضرورة أن يكون شعرا، ثم أنها ستقدم، بنضوج عنقودها الشعري، مثالا إبداعيا حديثا يتيح لقصيدة النثر، في الذائقة الشعرية اليمنية، مساحة أوسع مما هي عليه الآن.
والشاعرة، بقدر جرأتها الجارحة للغة، هي قوية وصادقة في التعبير عما يحمله وجدانها من ثراء في المشاعر الإنسانية، نحو الآخر أبا كان أو ابنا أخا أو حبيبا، بل إنا نجدها أكثر من ذلك تتوحد بالآخر فلا يتبين القارئ، في كثير من نصوصها، إلا(أنا) واحدة هي المتحدث والمخاطب في الآن ذاته. ساعدها على هذا التماهي الصوفي، ركونها على تكثيف المعاني في نصوص قصيرة، شبيهة بنصوص الهايكو اليابانية.
لنستمع إلى هذه النصوص القصيرة تحت عنوان:
ومضات شعرية
١ ـ احتسوا نبيذَ الصباحِ المتساقطِ
من أشعةِ الشمس
لأثملَ من همسِ الشوق وحدي.
٢ ـ لا أعرف الإملاء في العشق
فكتبتُ (الهوى) (هواء)
وتنفستُك
٣ـ عندما لا أكون (أنا)
مع من أعتبره (أناي)
فلا (أنا) (أناي)
ولا من ظننته أنه (أناي)
يكون (أنا)
كنت أتمنى أن أمتلك وقتا أكبر كي أمنح المجموعة قراءة متأنية لأستطيع أن أقول شيئا ينتمي إلى عالم النقد الفني، لكني إذا لم أتمكن من إجراء هذه القراءة التي تمنيتها، فآمل أن أقف على مجموعتها الثانية، التي لا أشك أنها ستكون أرقى فنيا وأعمق رؤية وموقفا.

#ملاحظة:
ألقيت هذه الكلمة بتاريخ م2/10/2019 يوم الاحتفاء بديواني “أبجدية امرأة في الحب.. إلى يقرأني الآن” للمرة الثانية في العاصمة صنعاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: