قراءة نقدية لنص أ. روز السيد البغدادي/الأستاذ سي مختار حمري_المغرب

….قراءة نقدية للقصة القصيرة جدا ” ارابيسك”….
****************
القصة / للقاصة روز السيد البغدادي من لبنان
Roz El Sayed Baghdady
القراءة النقدية / سي مختار حمري من المملكة المغربية
سانشر القصة تليها القراءة

أرابيسك
يحتفظ في مخيلته بأصوات:
صنبور ماء يئن عطشا،
رغيف خبز يجهش في البكاء،
ثغاء خراف جده،
أراجيح العيد تدفعها الريح،
يعيد الكاتب السيناريو
صباح العيد، حمل شادي الزوادة لجده في الحقل، إبريقا من الفخار، رغيف خبز طابون، لحما مشويا وحفنة من الزيتون بيده المقطوعة
Roz El Sayed Baghdady
القراءة
1–مقدمة :
النص القصصي الذي نحن بصدد تحليله مركب من 3 وحدات سردية ، العنوان الذي يمكن اعتباره نصا موازيا بايحاء دلالي يفتح على حقول متعددة متشعبة قد يختزل مضمون النص السردي و يتجاوزه من حيت التبليغ والغايات الكبرى و له صدى مدوي على خريطته سنعود لذلك لاحقا بالتفصيل . اضافة الى وحدتين سرديتين كل واحدة تمثل أقصوصة تساير التقطيع ‘”الموبساني” ( بداية، سياق ونهاية ) وتربط بينهما شخصية كاتب السيناريو . هندسيا نحن في مثلث كبير يتكون من مثلثين جانبيين وينفرد بالقمة ليشملهما معا بالحفاظ على تماثل أو تناظر محوري هندسي (رياضي ) مرآوي من هذا المنطلق يمكننا قراءة النص بزاوية 180 درجة في الخط الزمني العادي وفي انعكاس المرآة

2–عتبة النص :
”ارابيسك ” مكون من مفردة واحدة لكنها ذات دلالات عميقة
معجميا : كلمة اعجمية غير معربة لها وقع خاص على النفس والاذن وهي أصلا باللغة الفرنسية (Arabesque ) : عربي اللغة أو القومية /ما ينسب الى العرب / ماهو على الطريقة العربية / مرتبط بفن الزخرفة العربية التي وصلت أوربا عن طريق الأندلس ..
(ارابيسك )مفرد هو فن الزخرفة بنماذج من الطبيعة وأشكال هندسية متداخلة ومعقدة وأزهارا وأوراقا وثمارا ، وهو أحد عناصر الفن العربي الاسلامي القديم ورمز العمارة الإسلامية ويدخل ضمنه فن الزخرفة بالفسيفساء
دلاليا : هو عنوان موحي ويتقاطع مع عدة حقول دلالية اهمها :
— هو انه فن من الفنون الجميلة
— يتقاطع مع مسلسل أرابيسك : من 40 حلقة مدة كل واحدة 45 دقيقة كاتبه أسامة أنور عكاشة الكاتب العملاق المصري الدائع الصيت و الذي ارتبط اسمه بالكثير من المسلسلات المصرية الناجحة
تدور أحداث المسلسل حول حسن أرابيسك فنان الأرابيسك المصري الذي تعرض لمشاكل اجتماعية أفقدته توازنه النفسي فأهمل عمل وورشته مع المحافظة على فنه الذي ورثه عن جده ، ادمن المخدرات رفقة أصحاب السوء ، جاءته فرصه أخرجته من المتاهة عن طريق صديق له يعمل مهندس ديكورات تمثلت في فرصة عمل في “فيلا ” استاذ في علم الطاقة النووية كان يعمل في امريكا وعاد ليستقر بمصر …
–تقاطع مع الموسيقى التركية : موسيقى ظهرت في اطار الصراع بين الهويات والإنتماءات المتصارعة ومحاولة “تتريك” الثقافة التركية وشطب كل ما هو عربي باعتباره منحطا …
موسيقى الارابيسك التركية ظهرت في 1930م متأثرة بالموسيقى العربية وألحانها وخاصة المصرية وظلت محصورة في الطبقات الشعبية والريفية … وبمجرد ربط هذه الموسيقى بجدور عربية في كلمة “ارابيسك ” التي تشير الى اللغة والقومية العربية ، سهّل الامر على السلطة التركية لمحاربتها بحجة انها “منحطة” و”عشوائية” و”موسيقى الميني باص” لكن عادت بقوة للظهور في التسعينات بفضل مغنيين مرموقين لتتبناها الطبقة الوسطى والنخبة
الخلاصة : العنوان يتجلى فيه صراع الانتماء ( الهويات ) واللغات والتاريخ والحضارة هو في العمق صراع الانسان/ الانسان ، الانسان / الدهر وهناك من يحاول تزييف التاريخ وابتلاع الحضارة العربية الاسلامية الى درجة تسول له نفسه اعتبار فن الزخرفة يعود لحضارات قديمة وشطب العرب من الوجود كامة بنفس حضاري معين …
سنسائل النص من هذا المنطلق منصفين لا جاحدين محبين عاشقين دون أن نولي الأدبار بل سنركب سفننا المتواضعة وننتظر أن تجود الرياح بما تشتهيه الأنفس
3–الحدث السردي : (تلخيص وتحليل )
تدور أحدات القصة حول كاتب سيناريو كتب المقطع الأول أو المشهد الأول تم أعاد كتابته في المقطع الثاني ، فهو من يتحكم حسب الراوي في أحداث القصة أو هو من يرويها كما يبين الراوي الاصيل في جملة واحدة ” يعيد الكاتب السيناريو ” لنفهم ان السابق واللاحق من السرد جاء على لسان ” كاتب السيناريو”
المقطع الاول :
يستهل بجملة ” يحتفظ في مخيلته بأصوات ” تمهيدا لاسترجاع الأحدات السردية عبر المخيلة من الذاكرة الصوتية ليتعاقب السرد بثلاثة متتاليات سردية ..
”صنبور ماء يئن عطشا” ما يوحي بانقطاع الماء لجفاف ، أو قوة قاهرة تخريبية ، أوحرب ،أو نزاع أهلي أو غيره ، وجود صنبور يئن عطشا يدل على أن هناك ربط بالشبكة المائية توقف ربما بسبب تدمير خزانات الماء او للأسباب أالسالفة الذكر ….
“رغيف خبز يجهش بالبكاء” جملة مجازية لا تخلو من شعرية تنذر ان ظروف العيش في حالة صعبة للغاية مما دعا الى التعبير بقوة وذلك بأنسنة رغيف الخبز الذي صار يبكي لما يتعرض له الإنسان من ضيق في لقمة العيش ليشاركه ألمه ووجعه
” ثغاء خراف جده ” صوت الخراف مرتبط بالجد وليس بالأب ما يعني ان الشخصية انتقلت الى المدينة أو انه لم يعد بالامكان تربية الخراف لنفس الظروف السالفة الذكر لتاتي النهاية
” اراجيح العيد تدفعها الريح ” ما يوحي ان المكان هجر سكانه او انهم محتجزين فيوم العيد يخرج الاباء وأطفالهم لركوب الأراجيح واللعب والتسلية ، عيد بلا معيّدين ما يجعلنا نفترض ان المكان في حالة حرب او جائحة .. نهاية مفجعة
“يعيد الكاتب السيناريو ” هنا نجد صدى للعنوان في مسلسل أرابيسك وهي جملة واصلة بين المقطين
المقطع الثاني :
“صباح العيد” كمقدمة ليتوالى السرد في 3 متواليات سردية محمولة على الفعل الوحيد في المقطع هو “حمل ” في الماضي .. حمل الى جده في الحقل الزاد الذي يحتوي على ابريق من الفخار رغيف خبزالطابون لحم مشوي وحفنة زيتون ، فطور فخم في آنية فاخرة ..
الراوي يوظف الوصف والتصوير عن قرب يظهر ذلك في ” ابريق من الفخار ” وتأتي النهاية مفجعة لأن الفعل “حمل” تم بيد مقطوعة مايجعل ما قيل خارج المنطق العادي غير معقول “عبثي” او انه علينا ان ندخل في عالم الخيال حول يد اصطناعية وتاويلات لا حصر لها او عالم العجائب والغرائب……
من خلال مقارنة المقطع الاول والثاني نلاحظ ان هناك تماثلا في البناء اللغوي من حيث المفردات -مع المفارقة الدلالية بينهما – عبر المحور “يعيد كاتب السيناريو” .. رغيف يبكي / رغيف طابون ، خراف جده / لجده في الحقل ، صباح العيد /اراجيح العيد مع تمهيد لكل مقطع و 3 متتاليات سردية و نهاية مفجعة في كلا المقطعين يمكن تخيل ان هناك رؤية مرآوية بين المقطع الأول والثاني عبر محور وان هناك رؤية شمولية بغض النظر عن التفاصيل وعن الزمن مع حصول انكسار في خط الزمن لتعكس المرآة الفواجع ..
نصل الى خلاصة ان تيمة النص والغاية المراد إيصالها : هي الكشف عن بيئة في حالة اضطراب انقلبت رأسا على عقب .. وللتعبير عن ذلك تم توظيف المفارقات والغرائبية في الزمن ( الماضي / الحاضر) بمقارنة ما كان عليه الحال في الماضي وما عليه حاليا والذي يتبين منه انقطاع التواصل بينهما ويرمز لذلك باليد المقطوعة “قطع الصلة ” و كلمة يعيد في “يعيد الكاتب السيناريو ” تعني العودة الى الماضي ، مرآة بوجهين …
4–الرؤية السردية :
المقطع الأول : الراوي على علم بكل تفاصيل وخبايا الشخصية الحكائية وما تفكر وما يدور في مخيلتها مثال ” يحتفظ في مخيلته باصوات ” “يعيد الكاتب السيناريو” زاوية الرؤية هاته يمكن تسميتها :الرؤية السردية من الخلف او مايسميه تودروف ” الراوي اكبر من الشخصية ” وجيرار جينيت “اللاتبئير”
المقطع الثاني : يكتفي الراوي بالوصف الخارجي لملامح البيئة المحيطة التى ترى بالعين دون التطرق لمكنونات ورغبات الشخصية الداخلية زاوية الرؤية هاته يمكن تسميتها : الرؤية السردية من الخارج
نسجل غياب الحوار في النص ربما لصغر حجم القصة او ان الضرورة الفنبة لا تتطلبه
نسجل غياب الرؤية السردية المصاحبة / او الرؤية مع : حيث يكون الراوي شخصية حكائية داخل السرد
5–الشخصيات :
شادي شخصية محورية – كاتب السيناريو والجد شخصيتين ثانويتين
–الشخصية المحورية : شادي اسم علم مذكر عربي الاصل يعني الشخص صاحب الصوت العذب الذي ينشد ويغني ، او طالب علم , اختارت القاصة هذا الاسم لتوظيف خصائصه لالقاء مزيد من الضوء على ما تريد ابلاغه للمتلقي ..
في المقطع الاول اعطت القاصة سمات داخلية لشخصيتها وما يضطرب في جوانيته عبر “ذاكرة الاصوات” من هواجس وانفعالات وافكار وهذا يمكن ربطه بتيار الوعي بوصفه اسلوبا يمكّن القاص من المشاركة في طرح ومعالجة المشكلات الاجتماعية “رغيف خبز يجهش بالبكاء” تعبير شاعري عن الواقع المزري
في المقطع الثاني حيث ذكر اسم الشخصية “شادي ” نلاحظ ان المقطع وصفي يصف الخارج الذي تتحرك فيه الشخصية …العيد / الفطورالفخم / خبز طابون / ابريق الفخار / الحقل / ا الشواءالحقل / الزيتون / الجد كل هذا يتصل بالماضي الذي قطعت اليد التي توصله بالحاضر …
كاتب السيناريو : شخصية جاءت بها القاصة كمرآة او محور تماثلي لتعبّر من خلاله عن مفارقات الماضي //الحاضر .
–الجد : في المقطع الاول كان مرتبطا بالخراف وفي المقطع الثاني مرتبطا بالحقل القاصة توحي باندماجه في بيئته مع الارض ( الوطن ) والنباتات والحيوانات اضافة الى انه استعمل كرمز للماضي بوصفه كان شيئا جميلا طبيعيا نقيا صافيا
6– اللغة والاسلوب :
اللغة في المقطع الاول فيها لمسة شاعرية مثلا “صنبور ماء يئن عطشا ” و ” رغيف خبز يجهش بالبكاء ” لكن في المقطع الثاني كانت لغة وصفية بلا مجاز ولا شعرية لكن حاملة لرمزية عالية مرتبطة بما اسلفنا ذكره في العنوان من زخرفة فنية وتبيان الهوة بين الماضي والحاضر في اطار طغيان لقمة العيش على المشهد ، في المقطع الاول تم استعمال لغة يهيمن على بعض عباراتها المعجم النفسي من انين وبكاء وفيه يتم التزاوج بين الجمل الخبرية والجمل الشعرية التي تحقق طابع الايحاء الذي ينزاح عن اللغة العادية ،نتج عن ذلك تعابير جميلة سيكون لها تاثير على المتلقي . استعملت على طول النص جملا قصيرة تنم عن نفس موسوم بالحركية والتوثر المضطرب وتازم المواقف والاحداث ، وتهدف تسهيل المتابعة على المتلقي مما يرفع درجة التشويق والانجذاب والانخراط في قراءة النص . افعال المقطع الأول كانت كلها في المضارع ما يفيد الحاضر والاستمرارية في المستقبل . بينما المقطع الثاني لم يكن فيه سىوى فعل واحد منسوب الى ( شادي ) وهو فعل انساني يتطلب حركة جسمية ما يبين أن هناك ديناميكية وما تبقى فهي جمل اسمية معطوفة بفواصل للتخفيف وتجنب واو العطف الذي يفيد المشاركة في الحكم بين المعطوف والمعطوف عليه
6—المكان والزمان :
المكان : المكان هو الوعاء او المسطح او الدعامة التي جرت فيها الاحداث السردية في مخيلة القاصة وجعلت الشخصيات السالفة الذكر تتحرك فيها لتكشف لنا حركة الزمن والتغيرات التي تصاحبها
جاء في المقطع الاول ذكر ” صنبور ماء ” مما يوحي باننا في منزل او سقاية يؤمها جمهور من الناس
“اراجيح العيد تدفعها الريح” تعبر عن حديقة للاطفال وكأننا في مدينة صغيرة او قرية
في المقطع الثاني جاء ذكر الحقل مايعني اننا في وسط قروي او في ( الريف ) حسب المصطلح الشرقي نفهم من بعض الكلمات الواردة في المقطع الثاني الجغرافيا المكانية فخبز الطابون لا يوجد حسب علمي الا في الشام والزيتون لا يوجد الا في حوض البحر الابيض المتوسط بشكل عام
خلاصة : نستنتج منطقيا ان المكان الذي تم فيه بناء الاحداث السردية في مخيلة القاصة هو قرية او مدينة صغيرة فيها حقول ومتصلة بالشبكة المائية وجغرافيا توجد في حوض البحر الأبيض المتوسط الموطن الاصلي لشجرة الزيتون وبالضبط في الشام
الزمن :
في المقطع الاول هو استذكار يعود الى ماقبل بداية زمن القصة هو عبارة عن خلاصة مستوحاوة من ذاكرة صوتية يقص فيها الراوي في اشطر محددة ما جرى ربما في سنوات من خلال الزمن النفسي الداخلي للشخصية كل جملة توحي باحداث واشخاص وتفجر سيلا من التداعيات ، زمن السرد اقصر من زمن الواقع
في المقطع الثاني هناك انقطاع في السيرورة الزمنية ليظل الزمن السردي يراوح مكانه بانتظار فراغ الوصف ليبّلغ الراوي رسالته التي جاءت صادمة…
الزمن النحوي في المقطع الاول جاءت كل الافعال في صيغة المضارع :يحتفظ/ يئن /يجهش تدفع مما يفيد ان الاحداث جارية في الحاضر ومستمرة استقبالا
7 — النهايات :
النهايتان معا مفاجاتان للغاية وتدميريتان لما سبقها من مادة حكائية ففي المقطع الاول جاءت على الشكل التالي ” اراجيح العيد تدفعها الريح ” غياب الاطفال يوم العيد هناك تدمير خطير حاصل في الحاضر و ممتد الى المستقبل
وفي النهاية الثانية تاتي “بيده المقطوعة ” دليل على عدم التواصل وانقطاع الصلة بالجدور وهذا يعبر عن نوع من الضياع
النهايتان معا مفتوحتان وتثيران الكثير من التساؤلات والقاصة تهدف الى اثارة فضول المتلقي وتنشيط مخيلته لمساءلة الواقع في اطار فهمه والانخراط في تغييره
خاتمة :
خلال تحليل النص تملكني شعور غير عادي مُرر عبره تيار فكري احساسي شعوري”ميتالغوي” جعلني اعتقد اننا امام فكر قوي ورصين ستكون له كلمته ان شاء الله…
ماذا اقول لشاعرتنا القاصة نحن “لحم مشوي وحفنة زيتون ” وماذا يمكن ان اقول اكثر امام هذا الفكر العميق ..العميق جدا . احببت فكرك كما احب الفلسفة ( محبة الحكمة) والفكر الصوفي التاملي واقدره كما اقدر جمالية فنيتك في البناء السردي للنص
لم ينته بعد تحليل النص القصصي فهو منفتح على تعدد القراءات
احترامي وتقديري ومودتي
سي مختار حمري 27/01/2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: